عزمه على أن يمنع الرسول الكريم بأيّ ثمن . وبدا لهم أن نشوب حرب ضروس في ما بينهم خليق به أن يكون مفعما بخطر عظيم . إن ذلك قد يقتضي على سلطان قبيلتهم وسيادتها إلى الأبد . وهكذا قاموا هذه المرة بمحاولة أخرى لحمل أبي طالب على الاذعان من طريق الاغراء بدلا من حمله على ذلك من طريق الوعيد . لقد مشوا إلى أبي طالب ، مصطحبين عمارة بن الوليد [ بن المغيرة ] وكان فتى وسيما ، وطلبوا اليه أن يتخذه ولدا ويسلمهم محمدا قائلين : « إن هذا الفتى أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك ، وأسلم الينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرّق جماعة قومه وسفّه أحلامهم ، فنقتله فأنما هو رجل برجل ! » فأجابهم أبو طالب : « لبئس ما تسومونني ! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ! ؟ ان ذلك لن يكون أبدا . » وهكذا خاب سعي القرشيين كرة أخرى . وخشي أبو طالب أن يتخذوا اجراآت عنيفة ضد أسرته ، بني هاشم ، فدعا اليه أعضاء الأسرة كلّهم ، وحذّرهم من الخطر المرتقب . فأجمعت آراؤهم على أن الرسول الكريم لن يسلم إلى قريش أيا ما كانت الاجراآت التي قد تتخذها ضد بني هاشم . وباستثناء أبي لهب وحده ، الذي كان قد انضم إلى قريش ضدهم ، أعلنت الأسرة كلها استعدادها للدفاع عن النبي الكريم بقوة السلاح . إلى هذا الحد كانت شعبية الرسول قوية عند بني هاشم كلهم . لقد بجّلوه جميعا وأخلصوا الودّ له ، قلبا وروحا ، لخلقه العظيم . ولقد كانوا ، برغم خلافاتهم الدينية معه ، مستعدين لأن يمنعوه من قريش ولو هلكوا في ذلك .
بيد ان القرشيين لم يكونوا قد استنفدوا بعد سبل الوصول إلى تسوية من غير ما لجوء إلى سفك الدماء . كان لا يزال في أيديهم ورقة أخيرة يلعبونها . لقد أثبتت التجربة أن الاضطهاد غير مجد ، ولكن
حياة محمد ورسالته — صفحة 99
مساهمون: مولانا محمد علي
ص٩٩