من يدري ؟ لعل الاغراء ، إذا ما قدّم إلى الرسول الكريم مباشرة ، ان يفيد حيث لم يفد الوعيد . وإذ تكشّف أبو طالب وبنو هاشم عن صلابة وعناد ، فلم يبق أمامهم غير هذه الطريقة يجرّبونها . وهكذا شكلوا وفدا ابتغاء التفاهم مع الرسول على هذا الأساس ، ومشوا إلى النبي [ فخاطبه عتبة بن ربيعة ، وكان من سادات العرب ] بقوله :
[ « يا ابن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب ، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم ، فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها . ] إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا [ حتى تكون أكثرنا مالا ] . وان كنت تريد تشريفا سوّدناك علينا ، فلا نقطع أمرا دونك . وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا ، [ وان كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ . ] وان كنت مولعا بالجمال زوّجناك أجمل بنت يقع عليها اختيارك . » مغريات لا سبيل إلى مقاومتها من غير ريب ! فما أكبرها نقلة أن ينقلب المرء بين عشية وضحاها من رجل معوز بائس مضطهد إلى عاهل ذي قوة وسلطان . ولكنّ قلب الرسول كان مبرّآ من زيف الوصولية براءة كاملة ، فأجاب الوفد القرشيّ بكلام خيّب آماله تخييبا مطلقا ، قال :
« أنا لا أريد مالا أو سلطانا . لقد بعثني اللّه نذيرا إلى العالمين ، واني لأحمل إليكم رسالته ، فإذا آمنتم بها فزتم بالسعادة في هذه الدار وفي الدار الأخرى ، وإذا رفضتم كلمة اللّه فسوف يحكم اللّه بيني وبينكم . »
فكان في هذا ما أحبط آخر محاولة من محاولات قريش للوصول إلى تسوية . لقد أخفق الاغراء اخفاق الاضطهاد . وكان الاضطهاد ثقيلا لا يطاق ، ولكن الاغراء كان أقوى من أن يقاوم . ولولا روح الثبات التي نفخها اللّه في صدر النبي الكريم لكان خليقا بصنوف التعذيب التي أنزلت به وصنوف الاغراء التي أغدقت عليه أن تزحزحه عن موقفه .
حياة محمد ورسالته — صفحة 100
مساهمون: مولانا محمد علي
ص١٠٠