تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
إذا صح ذلك الزعم ، ان يظل زيد بعدها مخلصا للرسول بقدر ما كان في أيما وقت مضى ؟ لا ، بل إنه كان خليقا به ، لو صحّ ذلك الزعم ، أن يعجز حتى عن البقاء على الدين الاسلامي . ولكن الواقع يقول إن محبته للرسول ، وايمانه به ، لم يتزعزعا قيد شعرة . ولقد تمتّع ، كدأبه دائما ، بثقة الرسول المطلقة ، حتى لقد أمّره على قوّاته . ثم إن الرسول كان يعرف زينب منذ طفولتها نفسها معرفة جيدة ، بوصفها ابنة عمته . وكان أخوها يتمنى على الرسول لو يتزوّجها هو نفسه ، ومع ذلك فقد زوّجها زيدا . ولو قد كان يجد في نفسه ميلا إليها ، كما يزعم ، فما الذي منعه من الزواج منها وهي بعد عذراء ؟ لقد تزوّجها بعد أن طلّقت ، وبعد أن انخفضت منزلتها بسبب من ذلك في نظر الجمهور . إن رفضه الزواج منها في الحال الأولى ثم قبوله إياه في الحال الثانية ليظهر على نحو قاطع ان الذي حفزه إلى هذا الزواج لم يكن الانسياق مع الهوى على الاطلاق . لقد كان ، في الواقع ، رغبته في الارتفاع بمنزلة المرأة المطلّقة في نظر المجتمع . وإنما كانت هذه ، في الحق ، خطوة أخرى نحو تعزيز وضع الجنس اللطيف بعامة . وقد يتساءل متسائل لماذا تزوّج الرسول ، اذن ، من مارية القبطية التي لم تكن لا أرملة ولا امرأة مطلّقة ؟ فنقول إن هذا الزواج تم لسبب آخر مختلف جدا . وتفصيل الأمر ان الرسول اتخذ أزواجا من قريش ومن قبائل عربية غير قرشية على حد سواء . وبرغم ان صفيّة كانت يهودية ، فقد كانت في الوقت نفسه سيدة عربية . ولكن الرسول ، الذي بعث للانسانية كلها ، كان عليه أن يوضح ، بالمثل الصالح ، أنه يكنّ للقوميات الأخرى مثل الذي يكنّه لقوميته من إجلال واحترام . وهكذا لم يكد مقوقس مصر يبعث اليه بمارية حتى ضمّها ، رغم كونها أجنبية ، إلى بيته على أساس المساواة المطلقة مع زوجاته العربيات .
حياة محمد ورسالته — صفحة 262 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي