تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
كان الاسلام قد اكتسب الآن شعبية عامة في طول بلاد العرب وعرضها . لقد انتشر نبأ انتصاره النهائي إلى أقصى زوايا الجزيرة . ولم يكن الناس غافلين عما جرى ، طوال سنوات وسنوات ، بين الرسول وقريش . لقد شهدوا ، في لهفة وشوق ، مراحل الصراع كلها . لقد عرفوا كيف عذّبته قريش وعذّبت أصحابه لتبشيرهم بالفضيلة وبوحدانية اللّه ، وكيف قامت - بعد هجرتهم - بمحاولات متعددة استمرت ثماني سنوات ، لسحق المسلمين . والواقع ان الذين شهدوا مواسم الحج السنوية حملوا هذه الأنباء إلى زوايا البلاد القصوى . وكان الناس على علم أيضا بنبوءة الرسول القائلة بأن كل مقاومة للاسلام سوف تتلاشى آخر الأمر . وهكذا أخذت الوفود تتدفّق على المدينة من كل حدب وصوب . فكان الرسول يستقبلها في حفاوة بالغة ، ويعلمها مبادئ الاسلام في لطف ليس بعده لطف . وكان يبعث مع الذين يعتنقون الاسلام بمعلّم يفقّههم في الدين . وهكذا تقاطرت إلى المدينة في النصف الأول من هذه السنة بالذات وفود مقبلة من مواطن قصيّة كاليمن ، وحضرموت والبحرين ، وعمان ، والتخوم الشامية والفارسية . يا لتحريف الحقائق ! إن الجهل والهوى يعزوان انتشار الاسلام إلى اصطناع السيف . على حين ان الواقع يقول إن انتشار الاسلام ظلّ راكدا ما بقيت حالة الحرب بين المسلمين والمشركين . فما إن أقرّ السلام حتى انتشر الاسلام في كل ناحية بخطى واسعة . لقد بدا وكأن قوة غير منظورة كانت تعمل على إدخال الناس في دين اللّه أفواجا بعد أفواج . ولم يبعث في أيما يوم بحملة عسكرية إلى أيما بلد من تلك البلاد التي أقبلت الوفود منها تلك هي الحقيقة التي شاءت سخرية القدر ان تحرّف إلى اليوم تحريفا متعمّدا . فلطالما ساعدت الحرية والسلام ، ولسوف يظلان يساعدان إلى الأبد ، على انتشار الاسلام .
حياة محمد ورسالته — صفحة 221 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي