تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
سفيان ما بقي ذلك الهذيان مسألة شخصية ، وكان يؤثر تجاهله وعدم الرد عليه . ولكن ما إن عدا أبو سفيان نطاق الهذر الشخصي إلى التجديف على اللّه حتى عجز عن الاعتصام بالصمت . لقد حفزه احترامه لاسم اللّه العظيم إلى أن يرد على أبي سفيان ردا مناسبا . وكرة أخرى صاح أبو سفيان : « العزّى لنا ! العزّى ليست لكم . » فسأل الرسول عمر أن يجيبه من جديد : « اللّه ناصرنا . أما أنتم فليس لكم من ناصر . » ومع ذلك ، فقد كان للرسول فؤاد مفعم بالشفقة حتى على أعدائه . فبينا كانت النبال تنهمر عليه كان يتضرع إلى اللّه قائلا : « اللهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ! » ولم يوفق بعض المسلمين - بعد أن عزلوا عن اخوانهم وسط البلبلة العامة التي عصفت بصفوف المسلمين عند هجوم خالد المباعت - إلى شق طريقهم عائدين إلى مواقع الرسول وصحابته ، فتركوا الميدان متوهمين ان جيشهم قد هزم . ولكن زوجاتهم حثون التراب في وجوههم عندما علمن انهم خلّفوا الرسول في الميدان . ثم إن عددا منهن هرعن لتوّهن إلى الميدان ، وكلهن يسألن عن الرسول ماذا فعل ؟ لقد كان قلقهن عليه أعظم من قلقهن على بعولتهن وأنسبائهن . ويروى ان امرأة من الأنصار نعي لها أبوها فاجتزأت بترديد الآية القرآنية المألوفة :
« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »
* وتساءلت في لهفة : هل الرسول بسلام ؟ عندئذ قيل لها إن أخاها استشهد أيضا . فردّدت الآية نفسها ، ولكنها عاودت السؤال نفسه عن الرسول أهو بسلام ؟ ثم إنهم حملوا إليها نبأ آخر موجعا : لقد قتل أبوها أيضا . فأطلقت زفرة عميقة وردّدت الكلمات نفسها . حتى إذا قيل لها : [ « هو بحمد اللّه كما تحبين » ] زايلها الكرب كله . [ فقالت : « أرونيه حتى أنظر اليه » فأشير لها اليه ] حتى إذا رأته تنفّست الصعداء وهتفت : « الآن وقد رأيتك فكل
هامش
( * ) السورة 2 ، الآية 156 .
حياة محمد ورسالته — صفحة 151 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي