القرشيون قصارى جهدهم ، وشنّوا هجمات متكرّرة ، ولكنهم ردّوا في كل مرة على أعقابهم . ثم إنهم فقدوا كل أمل في سحق المسلمين ، الذين كانوا الآن قد تراصّوا كتلة متماسكة . وانهمرت نبال أبي طلحة ، الرامي الشهير ، عليهم في سرعة هائلة . ولقد كسر خلال ذلك ثلاث قسيّ . وكان سعد [ بن أبي وقاص ] يشارك في النضال أيضا . لقد أفرغ كنانة الرسول ، وكبّد العدوّ خسائر فادحة . وفوق هذا ، فقد كانوا الآن أكثر تعرّضا لنبال المسلمين وحجارتهم ، بعد ان احتلوا مواقع ذات امتياز . وهكذا ، بفضل حذق الصحابة في الرماية ومواقعهم التي كانت خيرا من مواقع عدوهم ، من ناحية ، وبفضل ما عرفه القرشيون من الجراءة المتهوّرة التي اتصف بها المسلمون ، وجد المشركون ان من حسن الرأي ان ينقلبوا على أعقابهم .
وبعد ان حبطت محاولات القرشيين ، على هذا النحو ، في القضاء على المسلمين ، انصرفوا إلى إرواء ظمأهم إلى الثأر في أرض المعركة نفسها . لقد مثّلوا بالقتلى تمثيلا بربريا ، وشوّهوا جثثهم جادعين الآذان والأنوف . [ وبقرت ] هند [ بطن حمزة ] وجذبت بين يديها كبده وجعلت تلوكها لوكا . ليس هذا فحسب ، بل لقد انتزعت أحشاءه واتخذت منها إكليلا لرأسها . وصاح أبو سفيان من بعيد : « هل محمد بينكم ؟ » فأشار النبي إلى أصحابه ليسكتوا . ثم نادى بصوت عال :
« هل أبو بكر بينكم ؟ » فلم يردّ عليه أحد بجواب . فصاح للمرة الثالثة : « هل عمر بينكم ؟ » وأضاف : « لقد قتلوا كلهم . لو كانوا على قيد الحياة اذن لأجابوا . » وهنا لم يعد عمر قادرا على أن يتمالك نفسه . فأجابه : « يا عدوّ اللّه ، انهم كلهم لا يزالون أحياء لكي ينزلوا بكم الويل ! » وعندئذ صاح أبو سفيان : « أعل هبل ! » فما كان من الرسول إلا أن قال لعمر : « قم فأجبه : اللّه أعلى وأجلّ ! » لقد كان نزع الرسول إلى غضّ الطرف عن هذيان أبي
حياة محمد ورسالته — صفحة 150
مساهمون: مولانا محمد علي
ص١٥٠