ان يواصل المطاردة أم لا ، جريا على مألوف عادة القوم في مثل تلك الأحوال ، جاءه الجواب بالنفي . ولكنه لم يبال بالنذير ، فواصل الطّراد ، ولكن الفرس كبا من جديد ، وجاءت نتيجة الاستقسام بالنفي كرة أخرى . ومع ذلك فقد امتطى صهوة فرسه وانطلق به بأقصى السرعة حتى أمسى على مقربة من الرسول دانية ، وكان على وشك ان يرميه بسهم عندما كبا الفرس كرة ثالثة ، وغاصت قوائمه هذه المرة في الرمل . وفي حديث سراقة عن هذه الحادثة ، بعد ، قال :
« عندئذ تجلى لي ان اللّه قضى بأن تنتصر قضية الرسول . » وهكذا اطّرح نيّة القتل ، وأقبل على الرسول بقلب نادم ، وسأله ان يغفر له ، فلا يعاقب على فعلته حين ينتهي الرسول إلى مقام السلطة .
فكتب له الرسول العهد الذي طلبه . وكان الصحابة يحتفظون في متناولهم ، على نحو موصول ، بأدوات الكتابة من أقلام وحبر لكي يدوّنوا الوحي الإلهي حال نزوله على الرسول . ليس هذا فحسب ، بل لقد بشر سراقة بأنه سوف يلبس دمالج كسرى الذهبية في يوم من الأيام .
وكانت هذه رؤيا رائعة للحادثة التي كان مقدّرا لها أن تقع بعد اربع وعشرين سنة تقريبا . . . وهي حادثة تستعصي على ملكة التخيّل عند الانسان ، وبخاصة إذا كان صاحبها رجلا ينجو بنفسه من القتل . ففي مثل هذه الحال اليائسة يعلن الرسول ، وحياته تتأرجح في الميزان ، النبأ السعيد القائل بأن مملكة الأكاسرة سوف تؤول اليه . وقد تحققت نبوءة الرسول تلك ، في خلافة عمر ، عندما سقطت فارس في أيدي العرب ، واستدعي سراقة ليحلّى معصماه بدمالج الأكاسرة .
وإنما يرجع ثبات الرسول الاعجوبي ، الذي أظهره وسط تلك المخاطرة الغامرة ، إلى ما كان ينزّل عليه بين الفينة والفينة ، من وحي الهي قصد به إلى التسرية عنه . وكان قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِي