تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
الإلهي ، وكلّفه ان [ يتسجّى برده الحضرميّ الأخضر ] وينام في فراشه ، وأمره بأن يتخلف بعده في مكة حتى يؤدي عنه ، صباح اليوم التالي ، ودائع كانت عنده للناس ، على أن يلحق بعد ذلك بالرسول إلى المدينة . ويا لها من ثقة لا تتزعزع بأمانته وطهارة ذمته ! إن الناس لم يكفّوا عن ايداعه ودائعهم برغم مقاومة قريش العنيدة له ! ومن أجل ردّ هذه الودائع امر عليا بالتخلّف في مكة ، في حين كلف أبا بكر باعداد العدة الضرورية للرحيل ، ذلك بأن اللّه كان قد أذن له في الهجرة . فلم يكد أبو بكر يتلقى هذا التكليف حتى ذرف دموعا ساخنة من فرط الجذل . ولكن علام هذا الابتهاج العارم كله في وجه المحن وضروب البلاء ؟ إنما كان ذلك لمجرد انه سوف يرافق ذلك الذي طالما تاق أبو بكر في نفاد صبر إلى افتدائه بكل ما يملك . وكان أبو بكر ، في الواقع ، قد أعدّ راحلتين ارتقابا لهذه الساعة . وبعد أن تزوّدا بمختلف الضروريات الأخرى تواعدا على اللقاء في مكان بعينه . وما إن هبط الغسق ، حتى القت عصبة المسلحين - المختارين من بين البيوتات القرشية كلها - الحصار على بيت الرسول ، واستعدوا للانقضاض عليه حالما يغامر بمغادرة البيت . فقد كان مما يتعارض ومفهوم العرب للفروسية ان يقتل أيما امرئ داخل جدران منزله الأربعة . بيد ان عليا ، المكلّف بردّ الودائع إلى أصحابها ، كان في فراش الرسول . وهذا ما أوهم القرشيين بأن الرسول كان هناك ، وخدّرهم بشعور من الاطمئنان إلى أن الضحية التي يريدون كانت في قبضة يدهم . وفي غضون ذلك ، وبعد أن أدرك الرسول ان العتمة قد تكاثفت غادر بيته - واثقا من أن يد اللّه ، الذي حماه طوال هذه السنوات الاثنتي عشرة وسط أعدائه سوف تحميه الآن أيضا - واندفع شاقا طريقه بين المتربصين به لقتله ، ومضى إلى بيت أبي بكر وفقا للتدبير المقرّر . ثم إن الرجلين انطلقا نحو المدينة ، فبلغا غارا يعرف ب « غار ثور » ، على مبعدة ثلاثة أميال