تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
هذه الأحوال الخطرة حتى التطرف . إنه لم يكن صوتا منبعثا من باطن ، لا ، لقد كان هو الصوت العلوي ، صوت اللّه ، رب العالمين ، أقبل ليواسي ويطمئن قلبا معذبا في سبيله . ومن غير اللّه ، العليم بكل شيء ، يستطيع أن يؤكد أن الأعداء ، برغم وصولهم إلى فم الغار نفسه ، لن يستطيعوا أن يدركوهما ؟ وسلخ الرسول في الغار ثلاثة أيام بلياليها . وكان [ عبد اللّه ] بن أبي بكر [ يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر ] . وكانت ابنة أبي بكر ، أسماء ، تحمل اليهما الطعام [ إذا أمست ] . وكان مولاه ، عامر بن فهيرة ، يرعى غنمه فيسوقها إلى فم الغار فيحلبها لنزيليه . حتى إذا سكن الناس عنهما غادرا الغار في اليوم الرابع . وكان دليلهما في رحلتهما الآن رجلا غير مسلم يدعى عبد اللّه بن أريقط . واردف أبو بكر خلفه عامر بن فهيرة . وفيما هم في بعض الطريق غدت الحرارة لاهبة ، فكفّوا عن السير التماسا للراحة . وهنا أخذ أبو بكر يكنس الأرض ، في ظل صخرة ، ونشر رداءه للرسول ليستلقي عليه ، وانطلق يبحث عن شيء من طعام . وإذ مرّ ببدويّ يرعى شياهه ، نظّف ثدي واحدة منها وحلبها في وعاء نظيف ، ثم غطاه بقطعة من قماش ، وحمله إلى الرسول . فقد كان أصحاب الرسول يعلمون مقدار حبه النظافة . وكانت قريش قد جعلت لكل من يردّ الرسول إليهم جائزة مقدارها مئة ناقة . وكان بين الذين انطلقوا للبحث عنه ، طمعا في الجائزة ، رجل اسمه سراقة بن مالك [ بن جعشم ] . فأنبأه رجل [ من قريش ] انه رأى ركبة ثلاثة متجهين إلى المدينة . وكان سراقة رجلا قويّ البنية . ومن غير أن يشعر بذلك أحدا ، ليس درعه ، وامتطى صهوة فرس جدّ رشيق ، وانطلق يطاردهم . وفي بعض الطريق كبا الفرس ، فألقى سراقة من فوق ظهره . وحين استقسم بالأزلام ليرى ما إذا كان عليه
حياة محمد ورسالته — صفحة 117 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي