تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ . »
* ( أي إلى مكة ) تعزية أخرى تلقّاها الرسول خلال هجرته إلى المدينة . والواقع ، ان الهجرة لم تكن شيئا غير متوقّع عنده . فقد أعلم منذ عهد بعيد أنه سوف يضطر إلى مغادرة مكة ، وان نجم الاسلام سوف يبزغ من موطن آخر . والقرآن الكريم حافل بالنبوآت التي تفيد هذا المعنى . فلحظة كانت عاصفة المقاومة في ذروة قوّتها ، ومحنة الرسول في أوج قسوتها ، نزل الوحي بأن الاسلام لا بدّ أن ينتصر آخر الأمر ، وحتى ولو افرغ أعداؤه كامل قواهم في قتاله . والحق ان قصص الأنبياء السابقين ، والمعارضة التي جابهوها ، ونجاحهم النهائي ، كما رواها القرآن الكريم ، إنما نزّلت في هذه الفترة من حياة الرسول كضرب من العزاء لتثبيته في وجه ضروب البلاء التي قاساها . وقبيل الهجرة رأى في ما يراه النائم انه هاجر إلى موطن غنيّ خصب . ولم يكن ذلك الموطن غير المدينة ، التي لا تزال إلى اليوم شهيرة بجنائنها . إن السابقين من المسلمين لم يغفلوا عن ادراك اثر الهجرة في انتصار الاسلام ؛ لقد علموا علم اليقين أن ذلك الانتصار كان رهنا بتلك الحادثة الحاسمة . وهكذا اعتبروها مولدا للاسلام ، فإذا بالتقويم الاسلامي - كما سبقت منا الملاحظة - يبدأ لا من النداء الإلهي الأول الذي تلقّاه الرسول في غار حراء ، ولكن من هجرته إلى المدينة . من أجل ذلك يشير القرآن الكريم إلى هذه الحادثة بوصفها شاهدا على أن يد اللّه المسعفة كانت من وراء الاسلام ، وانها كانت أيضا ضمانا لانتصاره النهائي . فهو يقول ما تفسيره : إن لم ينصره المكيون فقد نصره اللّه في محنته العظمى عندما تعيّن عليه أن يغادر مكة وليس معه غير رفيق واحد ؛ ولقد تعيّن على الرفيقين أن يفزعا إلى غار ، ولكنهما لم ينعما بالأمن حتى في ذلك الغار . كان المطاردون قد اقتصّوا آثارهم ، فانتهوا إلى فم
هامش
( * ) السورة 28 ، الآية 85 .