الحق جواز التمسك بالبراءة فيما لم يبلغ الينا فيه نص - سواء كان مما يحتمل الوجوب أو الحرمة - . وهو مذهب المجتهدين .
وما يتراءى في الكتب الفقهية - مثل كتب الفاضلين وغيرهما - من التوقف في الفتوى فليس قولا بوجوب التوقف بل مرادهم بيان تعارض الامارات من الطرفين من حيث بيان الحكم في المسألة بالخصوص فيظهرون انه محل التوقف بالنظر إلى الدليل الخاص . فالمجتهدون والأخباريون - كلاهما - متوقفون في الحكم من حيث الخصوص ويختلفون في حكم الواقعة بعد ذلك من حيث إنها مجهولة الحكم . فذهب المجتهدون إلى البراءة والأخباريون إلى الاحتياط والأقوى هو البراءة وادعى عليه الاجماع جماعة .
ويدل عليه حكم العقل بعدم التكليف الا بعد البيان والكتاب والسنة .
اما الكتاب فقوله - تعالى - :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
. والمتبادر منه انا لا نعذبهم على ما يفعلون حتى نبلغهم الاحكام ، وعدم التعذيب كناية عن انه ليس هناك ايجاب وتحريم حتى نبعث رسولا وهو يستلزم الرخصة في الفعل والترك . وقوله تعالى - :
« لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ »
وقوله - تعالى - :
« لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها »
. وأمثالها من الآيات الدالة على عدم المؤاخذة الا بعد البيان .
واما السنة فمثل ما رواه الصدوق في الفقيه - في باب جواز القنوت بالفارسية - عن الصادق - عليه الصلاة والسلام - : « كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى » : ورواه الشيخ ره - أيضا - وفي روايته : « . . . امر أو نهى » ودلالته ظاهرة . وحمل الرواية على استصحاب اطلاق الحكم الوارد من الشرع حتى يثبت التقييد . أو على ما لا يحتمل التحريم - أو نحو ذلك - من المحامل البعيدة .
وما رواه الصدوق في التوحيد في الصحيح عن حريز عن الصادق - عليه الصلاة والسلام - قال : « قال رسول اللّه - ( ص ) - : رفع عن أمتي تسعة : الخطأ والنسيان