وهو مقدّم ، فهو فاسد ، إذ بعد ملاحظة تعارض دليلي القولين لا شيء في مقابل أصل البراءة حتّى يقال أنّه ظنّيّ ولا نعمل به ، بل يرجع الكلام فيه ، إلى مثل جريان أصل البراءة فيما لا نصّ فيه ومقابله حينئذ هو أدلّة التوقّف والاحتياط وهو لا يقول به « 1 » ، والمستدلّ أيضا لا يقول به .
وإن أراد أنّ هذا التخيير إنّما هو في العمل بأيّهما اختار من القولين ، وعلى فرض اختيار كلّ منهما يصير واجبا عليه ، فلا معنى لأصل البراءة حينئذ ، نظير التخيير بين الرّجوع إلى المجتهدين كما مرّ ، فإنّ المفروض أنّ القول منحصر في وجوب الجهر أو وجوب الإخفات ، وأنّ أحدهما ثابت في نفس الأمر جزما ، لا أنّ الأصل عدم وجوب شيء ، والدّليل الظنّي دلّ على وجوب أحدهما فينفيه أصل البراءة ، فبعد ثبوت التخيير أيضا يثبت حكم جزما ، والتخيير في الرجوع إلى الدليلين أو القولين غير التخيير في اختيار أحد المدلولين « 2 » ليكون تخييرا في أصل المسألة كما مرّ الإشارة إليه « 3 » مرارا .
إذا عرفت هذا ، ظهر أنّه لا مناص « 4 » عن العمل بالظنّ ، وأنّه حجّة إلّا ما صرّح الشارع بحرمته وثبت حرمته من جانبه مثل القياس والاستحسان ونحوهما « 5 » .
والعبرة بقوّة الظنّ والمعيار هو الرّجحان في النظر ، فإذا حصل الظنّ بمدلول خبر
هامش
( 1 ) فالمورد لا يقول به حتى يجعل ذلك من باب الالزام والتبكيت له .
( 2 ) كما في خصال الكفارة .
( 3 ) كما في مقام الاستدلال بآية النفر وغير ذلك .
( 4 ) لا ملجأ ولا مهرب ، وفي قوله تعالى :وَلاتَ حِينَ مَناصٍأي لات حين مهرب أي ليس وقت تأخر وفرار .
( 5 ) كالمصالح المرسلة وغيرها من البدع أعاذنا اللّه منها .