وهذا القول وإن نسب إلى بعض أكابر العلماء ، إلّا أنّني لا أظنّه مراده ، وربما أراد المعنى الثاني ، وأو همت عبارته خلاف ذلك . « 1 »
والقول الثاني وإن كان له وجه ، إلّا أنّ الذي يبعده هو أنّ اللّجوء إلى التجوّز لا يصار إليه إلّا مع تعذر حمل الكلام على الحقيقة لوجود قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي . والقرينة المدعاة هنا هي تعذّر حمل الكلام على حقيقته ؛ لأنّ نفي الضرر حقيقة في الخارج ، والإخبار عن عدم وقوعه كذب منزّه عنه صلّى اللّه عليه وآله ؛ لوقوعه بالوجدان « 2 » ، بالإضافة إلى أنّ الشارع ليس من وظيفته الإخبار عن الأمور الخارجية « 3 » ، فلا بدّ من حملها على التجوّز لذلك .
ولكن هذه القرينة غير واضحة ؛ لأنّ الشارع هنا أخبر عن نفي ما يقع تحت سلطانه من الأضرار الناشئة عن تشريعاته . ويؤيد ذلك وجود كلمة « في الإسلام » في الحديث « 4 » ، والإسلام هو مجموع اعتبارات الشارع المقدس ، فكأنّه قال : لا ضرر ولا ضرار في تشريعاتي ، أي : ما يلزم من تشريعاتي الضرر أو الضرار فهو منفي ، فالإخبار هنا ليس عن نفي وقوع الضرر في الخارج ليلزم الكذب ، والخروج عن الوظيفة الشرعية ، وإنّما عن نفيه في مجال التشريع .
على أنّ كلمة « في الإسلام » تبعد إرادة النهي هنا « 5 » ؛ إذ لا يستساغ في عالم البلاغة أن يقول القائل : لا تضرّوا ولا تضارّوا في الإسلام .
هامش
( 1 ) . أوهم كلام شيخ الشريعة الأصفهاني بين المعنى الأوّل والمعنى الثاني ، لكن عباراته إلى المعنى الثاني أقرب كما فهم الأكثر ذلك . راجع كلامه في « قاعدة لا ضرر ولا ضرار » : 28 ، 37 ، 39 ، 44 .
( 2 ) . انظر : مصباح الأصول 2 : 526 .
( 3 ) . قال السيد مير فتّاح المراغي في العناوين 1 : 311 : « الشارع في مقام الحكم من حيث هو كذلك ، لا في مقام ما يوجد في الدين وما لا يوجد » .
( 4 ) . عوائد الأيام : 51 .
( 5 ) . المصدر السابق .