البعث والزجر الاعتباريان المعبر عنهما بالايجاب والتحريم فليس بينهما تناف ، وانما هو بين ملاكيهما وهو كون الشيء ذا مصلحة تقتضي ترجح وجوده على عدمه ، فتتعلق به الإرادة وينتزع منها عنوان البعث والوجوب والايجاب والالزام ونحوها من الاعتبارات ، أو ذا مفسدة تقتضي ترجح عدمه على وجوده فتتعلق به الكراهة وينتزع عنها الزجر والتحريم والمنع وغيرها من الاعتبارات ، فالتنافي والتضاد يكون بين الملاكات أولا وبالذات ثم يعرض الاحكام ، إذ لولا وجود الملاكات لا تتعلق بالشيء إرادة " ولا كراهة " ، ولا تنتزع عنهما بعد تعلقهما به تلك الأحكام والاعتبارات ، وهذه المقدمة انما يصح تطبيقها بعد اثبات وحدة موضوع الملاكين والحكمين ، واثبات وحدته سنتعرض له في بقية المقدمات الآتية .
( 2 ) - ان الاحكام تتعلق بفعل المكلف الذي يوجده في الخارج ، لا بما يسمى فعل المكلف ، ولا بما هو عنوان فعله ، لان الأسماء والعناوين لا يتعلق بها بعث ولا زجر لعدم كونها محط الغرض ولا ذات مصلحة أو مفسدة ، وانما تؤخذ في متعلقات الاحكام للإشارة بها إلى تلك المتعلقات التي هي ذات المصلحة والمفسدة ومحط الغرض ، لان ما يكون ذا مصلحة أو مفسدة هو ما يكون له تأصل في الوجود اي يكون له وجود عيني وغير منتزع ، واما المنتزع عن غيره كالملكية والرقية وغيرهما فلا مصلحة فيه ولا مفسدة وانما يكون عنوانا لفعل المكلف الذي هو ذو مصلحة أو مفسدة .
( ويرد عليه ) : ان الموضوع ليس هو العنوان بما له من الوجود الذهني لما ذكرنا من أنه بهذا الوجود لا يكون محط الغرض ولا هو الوجود الخارجي - كما ذكره قده - لان الخارج هو ظرف تحقق الفعل فهو ظرف سقوط الحكم لا ظرف ثبوته ، فلا يكون الفعل فيه موضوعا لحكم ، فلا بد من أن يكون موضوعه هو العنوان بما له من الوجود الذهني اللحاظي الذي لا يلتفت إلى ذهنيته ، بل يرى كأنه خارجي ،
قواعد استنباط الأحكام — صفحة 211
مساهمون: السيد حسين يوسف مكي العاملي
ص٢١١