وإن اعتبر من باب التعبّد لأجل الأخبار فلا يجوز العمل به ، للقطع بانتفاء حكم العقل مع الشك في الموضوع الذي كان يحكم عليه مع القطع .
شرح
الأمر الأوّل : ان يكون الاستصحاب حجة من باب الظن ، كما يقول به جمع من الأصوليين ، لا من باب التعبد ، على ما سيأتي بقوله : وان اعتبر من باب التعبد ، وإلّا فإنه إذا كان الاستصحاب حجة من باب التعبد كان أصلا مثبتا ، وقد عرفت : ان الأصل المثبت ليس بحجة .
الأمر الثاني : ان يكون موضوع حكم العقل أعم من مقطوع الضرر ومظنونه ، فإنه لو كان للقطع مدخلية في موضوع حكم العقل بوجوب الاجتناب ، ارتفع الحكم بارتفاع القطع ، حيث إن الحكم لا يبقى بعد ارتفاع موضوعه .
لكن لا يخفى : ان موضوع حكم العقل هو : أعم من القطع والظن ، ومن الاحتمال الموهوم فيما لو كان الضرر كثيرا ، وذلك على ما تقدّم في بعض مباحث الكتاب ، فإذا كان - مثلا - في كل من عشر سيارات ، تنزلق سيارة واحدة فتسقط في الهوة ممّا يوجب هلاك ركابها ، فان الاحتمال يكون موهوما بالنسبة إلى كل سيارة سيارة ، لكن العقل يقول بلزوم الاجتناب .
هذا ( وإن اعتبر ) الاستصحاب ( من باب التعبّد لأجل الأخبار ) الدالة على الاستصحاب لا من باب الظن ( فلا يجوز العمل به ) أي : بهذا الاستصحاب ( للقطع بانتفاء حكم العقل مع الشك في الموضوع ) الضرري ( الذي كان يحكم عليه مع القطع ) به ، يعني : ان الاستصحاب يوجب الظن بالضرر لا القطع به ، والعقل يقول بلزوم الاجتناب عن الضرر المقطوع به ، فالاستصحاب لا يفيد ذلك الموضوع حتى يجب الاجتناب عنه .