اخذ الظّنّ في تعريف الاجتهاد لا يقتضى خروج القطعيّات عن الفقه كما توهّمه البهائي ره إذ لو كان التّقييد بالظّنّ في تعريفه ناطقا بانّه ظنّى فالتّقييد بالعلم في تعريف الفقه ناطق بانّه على وهو ممّا يثبت الفرق المذكور وممّا يؤيّد ما ذكرناه انّ المسائل الفقهيّة الّتى لم ينسد فيها سبيل القطع والأدلّة القطعيّة قائمة على اثباتها ينقض حكم الحاكم فيها مع الخطأ بخلاف المسائل الّتى انسدّ فيها سبيل القطع فانّ سرّ ذلك عدم كون الأولى متعلّقة للاجتهاد وكون الثّانية متعلّقة له كما صرّح به بعض المحقّقين وللعلّامة البهبهاني ره بيانا نافعة قد أشرنا إلى بعضها من أرادها فليرجع إلى تعليقاته على المعالم
2 عقد وحلّ
ربّما يستشكل على تعريف الفقه بانّ الحكم الشّرعىّ على ما عرّفه الغزالي وغيره خطاب اللّه المتعلّق بافعال المكلّفين فاستنباطه من الكتاب الّذى هو من الأدلّة الأربعة يستلزم اتّحاد الدّليل والمدلول وأجيب عنه بوجوه مذكورة في مظانّها لا يهمّنا التّعرّض لها وتفصى الأشاعرة بناء على أصلهم الفاسد من اثبات الكلام النّفسىّ بجعل الحكم هو الكلام النّفسى والدّليل هو اللّفظى وهذا باطل عندنا بل يكون بطلانه من المسلّمات لبطلان مبناه بل صرّح المحقّق الطّوسى ره في التّجريد وغيره أيضا بانّ الكلام النّفسى غير معقول في نفسه وربّما تلجلج في صدر بعض العلماء العارفين ممّن قارب عصرنا معقوليّته في نفسه وبطلان الحكم بعدم معقوليّته كذلك قال في بعض كلماته ما ملخّصه انّ الّذى يظهر لي انّ الأشاعرة أشاروا إلى معنى لو كان ذلك في حقّ الحادث لكان صحيحا فبطلان قولهم ليس من حيث عدم المعقوليّة بل هو معقول لكنّهم عجزوا في مقام التّعبير فعدم المعقوليّة انّما هو لذلك والعبارة الدّالّة على مرادهم هو انّ النّفس لها كلام مثل كلام اللّسان بحروف وأصوات الّا انّها نفسيته وهو قولهم مثل حديث النّفس لأنّ النّفس قد تحدث نفسها وتحدث غيرها بكلام مشتمل على كلمات لفظيّة وحروف صوتية مثل الكلام المسموع بالأذان الّا انّه نفسي لا جسمانىّ فانّ الجسماني يظهر باللّسان اللّحمىّ والنّفسى يظهر باللّسان النّفسى فالكلام النّفسى مثل الكلام اللّفظى في جميع ما يعتبر فيه من التّرتيب والأعراب والوقف والوصل والإدغام والاظهار وغيرها ممّا يعتبر في اللّفظى على جهة الوجوب أو النّدب والأمر أو النّهى ثمّ مثّل لذلك مثالا تقريره انّ المتكلّم يتصوّر زيدا ويقول له هل ذهبت إلى السّوق فتقول صورة زيد بلى فيقول له هل اشتريت الثّوب الفلاني لعمرو فيقول لا فيقول له لم تركت وقد أمرتك اذهب عنّى فانّك قد عصيتني وخالفت امرى فيقول مثال زيد اعف عنّى وانا امتثل امرك بعد هذا فيغضب ولا يعفو حتّى تظهر على الجسد صورة الغضب من احمرار الوجه أو يرضى ويعفو حتّى تظهر على ظاهره صورة الرّضا فيظهر اثره على ظاهر الشّخص المتكلّم في نفسه مع صورة زيد كما يظهر اثر الكلام اللّفظىّ المعروف على ظاهر المتكلّم وليس شيء من هذا بعلم وانّما هو كلام ولكنّ الأشاعرة ما قدروا على التّعبير فنفوا عنه ما لا يتحقّق الكلام الّا به فقالوا ليس بحرف ولا صوت ولا امر ولا نهى ولا خبر ولا انشاء إلى غير ذلك من أساليب الكلام فما ذكرناه امر معقول ولذا تسمعهم يقولون انّ اللّه تعالى يخاطب المعدوم ويأمره وينهاه فبمثل ذلك يستحضر اللّه تعالى صورته ويخاطبها فهو في نفسه معقول بالبيان المذكور إلى آخر ما ذكره أقول تفوه الأشاعرة بما هو غير معقول ليس بمستبعد أليسوا هم النّافين لأدراك العقل للحسن والقبح أليسوا هم القائلين بالجبر أليسوا هم القائلين بتعلّق الوجوب في الواجبات التّخييريّة بالمبهم أليسوا هم القائلين بالتّصويب فليكن هذا من ذلك والّذى حدا المحقّقين من العدليّة على الحكم بعدم المعقوليّة يحقق كون مرادهم من الكلام النّفسى هو هذا المعنى المعروف حيث وجدوا التّصريح به في كلماتهم ومن المشهور انّ أهل البيت ادرى بما فيه وان أمكن دعوى عدم صراحتها بل هي مبهمة مجملة ولهذا تفرّق كثير من المحقّقين يمينا وشمالا تحقيقا أو توجيها بين قائل بانّ مرادهم حديث النّفس كما عرفت وقائل بانّ مرامهم نسبة أحد طرفي الخبر إلى الآخر القائمة بنفس المتكلّم ومصرّح كالمحقّق الدّوانى على ما حكى عنه في شرح العقائد وفي رسالة اثبات الصّانع جلّ وعلا وصفاته بانّ صفة التّكلّم القائم بذات اللّه تعالى صفة هي مصدر تاليف الكلمات وكلامه تعالى هي الكلمات الّتى هي مؤلّفة له تعالى بذاته في علمه القديم بغير واسطة وهذا الكلام الأزلي خطاب متوجّه إلى مخاطب مقدّر وامتيازه عن العلم ظاهر فانّ كلام غيره تعالى معلوم له وليس كلامه كما انّ كلام غيرنا معلوم لنا وليس كلامنا قال في الرّسالة المذكورة بعد ما نقلناه وهذا الّذى ذكرناه ليس ما ذهب اليه الحكماء من انّ كلامه تعالى علمه ولا مذهب الحنابلة ومن يحذو حذوهم من انّ كلامه الحروف والأصوات أو ما يشمل الأصوات والحروف والمعاني ولا ما هو المشهور عن الأشعري من انّ كلامه المعنى المقابل للّفظ بل تحقيق وتنقيح لمذهب الأشعري كما يظهر بالتّامّل الصادق
إلى آخر ما ذكره وقائل كصاحب المواقف بان لفظة المعنى تعلّق تارة على مدلول اللّفظ وأخرى على الامر القائم بالغير فالشّيخ الأشعري لما قال الكلام هو المعنى النّفسى فهم الأصحاب منه انّ مراده مدلول اللّفظ وحده وهو القديم عنده وامّا العبارات فانّما تسمّى كلاما مجازا لدلالتها على ما هو كلام حقيقة حتّى صرّحوا بانّ اللّفظ حادث على مذهبه لكنّها ليست كلاما حقيقة وهو الّذى فهموه من كلام الشّيخ له لوازم كثيرة فاسدة إلى أن قال فوجب حمل كلام الشّيخ على انّه أراد به المعنى الثّانى فيكون الكلام النّفسى عنده امرا شاملا للّفظ والمعنى جميعا قائما بذات اللّه تعالى وهو مكتوب في المصاحف مقرو بالألسن ؟ ؟ ؟ محفوظ في الصّدور وهو غير الكتابة والقراءة والخطوط الحادثة وما يقال من انّ الحروف والألفاظ مترتبة متعاقبة فجوابه انّ ذلك الترتّب انّما هو في التّلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة فالتلفّظ حادث والأدلّة الدالّة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعا بين الأدلّة وعن بعضهم انّ هذا المحمل لكلام الأشاعرة اختاره الشّهرستانى أيضا في كتابه نهاية الأقدام وناقل عنهم كجمال المحقّقين في حاشية شرح التّجريد على ما حكى عنه انّه صفة حقيقيّة بسيطة واحدة وحدة حقيقيّة قائمة بذاته تعالى ينشعب تارة خبرا وأخرى امرا وأخرى نهيا إلى غير ذلك هذا والّذى نقله المشهور عنهم لا ينطبق على أغلب هذه التّوجيهات فانّهم ذكروا انّ الكلام قسمان لفظىّ وهو المؤلّف من الحروف ونفسىّ وهو المعنى القائم بالنّفس الّذى هو مدلول الكلام اللّفظى كما قال الأخطل انّ الكلام لفى الفؤاد وانّما جعل الفؤاد دليلا وصرّحوا بانّه مغاير للعلم والإرادة والكراهة وسائر الصّفات المشهورة وهو قديم ازلىّ واستدلّوا عليه بانّ المتكلّم من قام به الكلام لا من أوجد الكلام ولو في محلّ آخر للقطع بانّ موجد الحركة في جسم آخر لا يسمّى متحرّكا وانّ اللّه تعالى لا يسمّى بخلق الصّوت مصوّتا وانّا إذا سمعنا قائلا يقول انا قائم سمّيناه المتكلّم وان لم نعلم انّه الموجد لهذا الكلام بل وان علمنا انّ موجده هو اللّه تعالى وح فالكلام القائم بذات الباري تعالى لا يجوز ان يكون هو الحسّى اعني المنتظم من الحروف المسموعة لأنّه حادث ضرورة ان له ابتداء وانتهاء وانّ الحرف الثّانى من كلّ كلمة مسبوق بالأوّل مشروط بانقضائه فيكون له اوّل فلا يكون قديما والحرف الأوّل أيضا لمّا كان له انقضاء لا يكون قديما لامتناع طريان العدم على القديم فقد ثبت ان ما امتنع قدمه امتنع عدمه فالمجموع