تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
المركّب منهما لا يكون قديما أيضا والحادث يمتنع قيامه بذات الباري تعالى فتعيّن ان يكون هو المعنى إذ لا ثالث لهما يطلق عليه اسم الكلام وكلّ من يورد صيغة امر أو نهى أو نداء أو اخبار أو استخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبّر عنها بالألفاظ الّتى نسمّيها بالكلام اللّفظى والحسّى فالمعنى الّذى يجده في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلّم حصوله في نفس السّامع ليجرى على موجبه هو الّذى نسمّيه كلام النّفس وحديثها نعم بعض استدلالاتهم يرشد إلى ارادتهم بعض المعاني المذكورة مثل استدلالهم بقوله تعالى
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ
وقوله صلّى اللّه عليه وآله رفع عن امّتى ما حدثت به أنفسهم وقول عمر يوم السقيفة قد كنت زورت في نفسي مقالة فسبقني اليه أبو بكر ويقال في العرف والعادة بقي في نفسي كلام أو كلمات إلى غير ذلك ممّا يجرى هذا المجرى والأنصاف انّ الكلام النّفسى بمعنى حديث النفس كما ذكره العارف المذكور معقول في نفسه الّا انّه بعيد عن مذاق الأشاعرة ولا يشعر به استشهادهم بقول الأخطل كما قد يتوهّم مع بعده من نفيهم عنه لوازم الكلام من الحرف والصّوت وغيرهما بل يظهر من كلماتهم حكمهم بمعقوليّته مع ارادتهم المعنى المعروف فقد حكى في أنوار الملكوت في شرح الياقوت عنهم في بيان معقوليّته انّ ماهيّة الطّلب معقولة لكلّ أحد فانّ الإنسان إذا قال اسقني الماء يجد في نفسه طلبا مغايرا لقوله هذا بالضّرورة ولذا قد تتبدّل عليه العبارات مع اتّحاده وماهيّة الطّلب غير الإرادة فانّ الإنسان قد يأمر بما لا يريده كالسّيّد إذا امر عبده طلبا لإقامة عذره عند الملك في عقوبة ذلك العبد بالتّخلّف عن امتثال أوامره والأمر لا بدّ فيه من الطّلب مع جواز انتفاء الإرادة عنه فتغايرا ثمّ انّ ما ذكرناه هو المستفاد من جواب العدليّة لهم إذا لوحظ مرحلة لزوم المطابقة بين السّؤال والجواب والمناسبة بين الكلمات الواردة في الباب والملاءمة بين المعلّل والتّعليل والمدّعى والدّليل فانّهم قالوا في ردّ الأشعريّة انّه إذا صدر من المتكلّم خبر فهناك ثلاثة أشياء العبارة الصّادرة عنه وعلمه بثبوت النّسبة أو انتفائها بين طرفي الخبر وثبوت تلك النّسبة أو انتفائها في الواقع والأخيران ليسا كلاما حقيقيّا اتّفاقا فتعيّن الأوّل وإذا صدر عنه امر أو نهى فهناك شيئان أحدهما لفظ صادر عنه والثّانى إرادة أو كراهة قائمة بنفسه متعلّقة بالمأمور به أو المنهىّ عنه وليست الإرادة والكراهة أيضا كلاما حقيقيّا اتّفاقا فتعيّن اللّفظ وقس على ذلك سائر اقسام الكلام فالكلام النّفسى الّذى اثبته الأشاعرة ليس امرا وراء العلم في الخبر والإرادة في الامر والكراهة في النّهى وأجابهم الأشعريّة بنحو ما أشرنا من انّ النّسبة القائمة بنفس المتكلّم مغايرة للعلم إذ المتكلّم قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه وانّ المعنى النّفسىّ الّذى هو الأمر غير الإرادة لأنّه قد يأمر الرّجل بما لا يريده في مقام الاختبار مع انّ افعال العباد يصحّ اتّصافها بكلّ من الأحكام الخمسة الاقتضائية والتّخييريّة واختصاص بعضها ببعض لا بدّ ان يكون لمرجّح وهو غير الإرادة إذ قد يأمر بما لا يريده فلا بدّ من صفة أخرى يخصّص بها بعض الأفعال ببعض الأحكام وهي الكلام وردّهم العدليّة بانّ الموجود في هذه الصّورة هو صورة الأمر وصيغة لا حقيقته إذ لا طلب ولا إرادة فيهما قطعا وكذا حال النّهى والمخصّص لبعض الأفعال وهو ببعض الأحكام هو الإرادة وقد تقرّر عندهم صحّة القول بالوجوه والاعتبارات وممّا حقّقناه يظهر لك انّ ما ذكره بعض المتصوّفة كابن عربى في فتوحاته والغزالي في بعض كلماته من انّ كلام اللّه تعالى علمه وعلمه ذاته وليس شيئا زائدا على العلم الّذى هو حقيقة هويّته تعالى غير ما سلكه الأشاعرة وهو أقرب إلى الصّواب ممّا سلكوه إذ لا يلزم عليه عمدة ما يلزمهم وهي تعدّد القدماء الّذى يبطله برهان التّوحيد وبعد التّامّل في المفاسد المترتبة على ما اعتقده الأشاعرة يعلم وجه عدم المعقوليّة على ما صرّح به المحقّق الطّوسىّ ره وغيره والمراد من عدم معقوليّته ليس عدم تصوّره أصلا ولو بعنوانه الباطل والّا لما أمكن الحكم عليه بكونه نقصا أو غير معقول حسبما صرّح به العلّامة ره فيما حكى عنه في أنوار الملكوت وأنت إذا أحطت خبرا بما قرّرناه تقدر على القدح في كثير من المعاني السّابقة لوضوح فساد المسلك الّذى سلكه المحقّق الدّوانى من وجوه شتّى منها انّ صفة التّكلّم من الافعال الّتى يعتبر فيها الفعليّة وقد حكم بكون صفة التّكلّم فينا عبارة عن قوّة تاليف الكلام ومنها عدم امكان القول بانّ صفة التّكلّم فيه سبحانه قائمة بذاته لعدم معقولية ذلك سواء قلنا بحدوثه أم بقدمه وظهور فساد سائر المسالك أيضا ولا نطيل في بيانه وانّما أطنبنا الكلام في المقام لعدم اشباع الكلام فيه من العلماء الأعلام في فنّ الأصول بل في علم الكلام على ما يشهد به الاستقراء والاستعلام

3 عقد وحلّ

قد يستشكل في حصر الادلّة الّتى هي موضوع الأصول في الأربعة اعني الكتاب والسّنّة والإجماع ودليل العقل إذ لو أريد حصر مطلق الأدلّة الشّرعيّة فيها توجّه عليه انّ اصلى البراءة والاشتغال وأصل العدم والاستصحاب وأصل الصّحّة والظّنّ المطلق عند القائل به وسائر الأصول اللّفظيّة والعمليّة والقواعد الشّرعيّة والمرجّحات المعتبرة في الأدلّة المتعارضة كلّها حجج شرعيّة وادلّة معتبرة فلا وجه للحصر في غيرها وان أريد حصر أصولها وامّهاتها الّتى لا يرجع بعضها إلى بعض ففيه انّ هذه الأربعة أيضا يرجع بعضها إلى بعض ولذا تريهم يستندون في حجّية الكتاب إلى الإجماع والأخبار وفي حجّيّة الأخبار إلى الكتاب والإجماع وبعض الأخبار المتواترة وفي حجّيّة الإجماع إلى الكتاب والسّنّة والعقل بل يرجع كلّها في الحقيقة إلى العقل لا يقال مجرّد الاستناد في حجّيّة شيء إلى آخر والاستدلال فيها به لا يستلزم الرّجوع اليه بالأخرة والّا لزم الدّور إذ ربّما يستند في حجّية العقل أيضا إلى الكتاب والسّنّة لأنّا نقول العقل مستغن في نفسه عن غيره لانتهاء جميع الإدراكات اليه كما هو ظاهر لا سترة فيه وما يتراءى من تمسّكهم في حجّيّة حكم العقل بذيل الملازمة بينه وبين حكم الشّرع فانّما هو لتعلّق غرضهم باثبات الحكم الشّرعى وهو لا يتمّ الّا باثبات الملازمة ويمكن دفع الأشكال باختيار الشّقّ الثّانى ومنع رجوع بعضها إلى بعض فانّ مدلول كلّ من الكتاب والسّنّة بحسب المراد الواقعي حجّة في نفسه بعد ثبوت الشّرع من غير أن يتوقّف على إقامة الدّليل عليه من غيره والّذى يتوقّف على الاستدلال هو حجّيّة ظواهرهما المستندة إلى الأصول اللّفظية والقواعد المقرّرة في مباحث الألفاظ وكذلك الإجماع الكاشف قطعا عن الواقع حجّة برأسه مستغن عن إقامة الدّليل عليه وانّما الكلام في طريق كشفه عن ذلك وكذلك العقل المستقلّ دليل برأسه من غير حاجة إلى توسّط الشّرع والتّفرع عليه فالرّجوع إلى الغير انّما هو في المباحث المتعلّقة بها لا فيها بأنفسها وامّا سائر الأدلّة فهي راجعة لا محالة إلى واحد منها وما لا يرجع إلى شيء منها فليس بحجّة ألا ترى انّ أرباب الظّنون المطلقة انّما يستندون في حجّيّتها إلى حكم العقل وما صدر عن المحقّق ره في المعارج من عدّ الاستصحاب دليلا خامسا ليس على ما ينبغي وامّا ما يقال من انّ كثيرا من الأحكام مستفاد من الاستقراء وتنقيح المناط والفحوى والأولويّة وهي القياسات عند الخاصّة فكما انّ القياس عند العامّة عدوه دليلا خامسا فكذا القياس عند الخاصّة بعد تقرير اعتباره عندهم فيرد عليه انّ الأمور المذكورة ان تعلّقت بالنّصّ لحقت به وان تعلّقت بالحكم المدلول عليه