شرح
وبعبارة أخرى : أنّه رحمه اللّه لا فرق عنده بين الشكّ في التكليف - كالشكّ في نجاسة مائع معيّن - وبين الشكّ في المكلّف به - كالمائعين في المثال المذكور - في جواز ارتكاب كلا المشتبهين وعدم وجوب الاجتناب « 1 » ، والوجه فيه جريان أدلّة البراءة فيهما وشمولها عليهما من حيث صدق الشكّ والجهل فيهما معا ، وبعبارة أوضح : العلم الإجماليّ عنده كالمجهول رأسا ، بحيث لا يثبت به التكليف شرعا ، فافهم .
المذهب الثالث : كفاية وجوب الموافقة الاحتماليّة ؛
وهذا هو مختار المحقّق القمّيّ رحمه اللّه وإن نسب إليه ما نسب إلى المحدّث المجلسيّ رحمه اللّه من جواز المخالفة القطعيّة وارتكاب أطراف العلم الإجماليّ في الشبهات الموضوعيّة - كالمائعين في المثال المذكور - لكنّه ليس بتامّ ؛ لأنّ كلامه في القوانين لا يطابق ما نسب إليه ، وإليك بقوله رحمه اللّه في القوانين : « أقول : والأقوى فيه أيضا أصالة البراءة ، بمعنى أنّههامش
الحديثيّة ، نعم ورد ما يقرب منها ، مثل : قولهم عليهم السّلام : « كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه » و « كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه » انظر وسائل الشيعة 12 : 59 و 60 ، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 1 و 4 ] .
( 1 ) ولا يخفى أنّ ما اختاره رحمه اللّه من جواز ارتكاب المشتبهين تدريجا ، هو على مبناه العلميّ ، وأمّا في مقام الفتوى والعمل فإنّه رحمه اللّه قد احتاط وقال بعدم جواز ارتكابهما ولو تدريجا .
والشاهد عليه ما جاء في كلام صاحب الأوثق : 323 حيث قال رحمه اللّه : « وأمّا المجلسيّ فعبارته المحكيّة غير صريحة في ذلك - إلى أن قال - : لأنّه يحتمل أن يريد به تقوية هذا القول بحسب الدليل دون الفتوى ، والفرق بينهما واضح . . . » .