وقولك [ 1 ] : إنّ التفاوت بالاستحقاق والعدم لا يحسن أن يناط [ 2 ] بما هو خارج عن الاختيار [ 3 ] ، ممنوع ؛ فإنّ العقاب بما لا يرجع بالأخرة إلى الاختيار قبيح ،
شرح
« الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار » « 1 » وهذا هو السرّ في عقوبة من ألقى نفسه من شاهق الجبل ، والتفصيل في محلّه ، وملخّصه : أنّ من ألقى نفسه من شاهق الجبل باختياره ومات ، يذمّه العقلاء ، ويعاقب في الآخرة قطعا ، فإنّ زهوق روحه وموته وإن لم يكن باختياره واقعا إلّا أنّ مجرّد كون بعض المقدّمات - كالصعود والإلقاء مثلا - أمرا اختيارا يصحّح العقوبة عقلا ؛ لأنّه صار بلا اختيار باختياره ، ومن المعلوم أنّ هذا لا ينافي الاختيار عقابا .
ولذا قال المحقّق الهمدانيّ رحمه اللّه : « ويكفي في كون الفعل اختياريّا انتهاؤه إلى مقدّمة اختياريّة ؛ ضرورة أنّه لا يشترط في اختياريّة الفعل كون جميع مقدّماته اختياريّة ، وإلّا فلا يكاد يوجد فعل اختياريّ . . . » « 2 » .
[ 1 ] هذا مبتدأ خبره قوله رحمه اللّه : « ممنوع » ، وجاءت لفظة « وقولك » في بعض النسخ بلا « واو » « 3 » والأولى وجودها ، كما لا يخفى .
[ 2 ] الضمير المرفوع المستتر في الفعل المجهول يعود إلى « التفاوت » ، فلا تغفل .
ولا يخفى أنّ جملة : « أن يناط » بعد تأويلها بالمصدر « 4 » فاعل قوله : « لا يحسن » .
[ 3 ] هذا مقول القول وإشارة إلى الاستدلال الأخير من المقرّر للدليل العقليّ ،
هامش
( 1 ) راجع الصفحة 161 ، الهامش 4 .
( 2 ) حاشية فرائد الأصول : 42 .
( 3 ) انظر الرسائل المحشّى : 5 .
( 4 ) أي الإناطة .