فيتّضح حال الاستصحاب فيها أيضا ممّا يأتي .
الثالث : في بيان حال الاستصحاب بالنسبة إلى الحكم العقليّ المستقلّ الراجع إلى التحسين والتقبيح ؛ وهو بين وجدانيّ ، وبرهانيّ .
ونعني بالثاني ما ليس للعقل إحاطة بجهاته لكي يحكم بقبحه أو حسنه تفصيلا ، وإنّما يحكم بكلّ منهما إجمالا لقيام البرهان عنده ؛ وهو أنّ المخبر الصادق قد أخبر بما هو من لوازم الحسن والقبح ؛ أعني الوجوب والحرمة ؛ لاتّفاق العدليّة على أنّ الأحكام الشرعيّة ليست باقتراحيّة ، وإنّما هي منبعثة من المصالح والمفاسد النفس الأمريّة ؛ فإخبار الشارع بوجوب الفعل كاشف عن ثبوت الحسن فيه بحيث لو اطّلع العقل على جهات ذلك الفعل لكان حاكما بحسنه . وكذلك الحال في طرف الحرمة .
إذا عرفت ذلك فنقول : أمّا جريان الاستصحاب في الثاني فالظاهر أنّه لا إشكال فيه لكن بناء على اعتباره من باب الأخبار دون الظنّ . وقد مضى وجه ذلك بما لا مزيد عليه في أوّل الباب وإليه أشار المصنّف رحمه اللّه ثمّة بقوله : « فإن قلت : على القول بكون الأحكام الشرعيّة تابعة للأحكام العقليّة . . . إلى آخر كلامه » « 1 » فراجع .
وأمّا الأوّل أعني الحكم العقليّ الوجدانيّ ، فالضرورة قضت بأنّه لا مسرح للاستصحاب فيه ؛ كيف ، وهو لا يجري إلّا بعد حصول الشكّ في مورده ، وطريان الشكّ في هذا القسم من الحكم العقليّ أمر غير معقول ؟ !
هذا بالنسبة إلى الحكم العقليّ نفسه . وأمّا الحكم الشرعيّ الثابت على طبقه فإن كان ثبوته من طرف العقل - بأن كان مستندا إليه - فهو أيضا بمثابة نفس الحكم العقليّ . وإن لم يكن مستندا إليه - بأن ثبت من غير جهة العقل - فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه .
هامش
( 1 ) - فرائد الأصول 3 : 39 .