عن العلم بالمصلحة ، وبالنسبة إلى سائر الامراء عن اعتقاد النفع .
وأخرى : يطلق ويراد به ما هو ملاك لهذا الطلب والإرادة - أعني المحبوبيّة والمبغوضيّة - الّتي كانت كامنة في نفس الأمر ، وكان الطلب والإرادة منبعثا منها .
وكاشف الأوّل إنّما هو الألفاظ الدالّة على الإنشاء مثل « افعل » و « لا تفعل » وأمثالهما . وكاشف الثاني إنّما هو العقل وسائر الألفاظ الّتي يدلّ على الإخبار مثل
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
و « يتوضّأ حال النوم » و « لا يترك المؤمن الشيء الفلاني » وأمثالها . وكاشف غالب الأحكام الشرعيّة من هذا القبيل ، والفقيه لا يكون طالبا إلّا لاستخراج هذا القسم من الحكم .
وإذ قد عرفت حال الحكم التكليفيّ فقس عليه حال الحكم الوضعيّ ؛ فإنّه أيضا بين ما هو من مقولة الإنشاء القائم بنفس المنشئ والحاكم ، وبين ما هو ملاك لهذا الإنشاء ، وكما أنّ الطلب لا ينبعث الّا عن شيء كامن في نفس المنشئ يعبّر عنه بالمحبوبيّة ، فكذلك إنشاء وصف السببيّة والعلقة الاقتراحيّة أيضا لا ينبعث إلّا عن ملاك له كامن في نفس الحاكم ؛ كيف ، وهي لا تتحقّق بعد اللفظ ؟ ! فلا بدّ لها من كينونة يكون الإنشاء ناشيا منها .
وكاشف الحكم الوضعيّ أيضا بين ما هو كاشف عن انشائه ، وما هو كاشف عمّا هو ملاك له . وسيأتي له مزيد شرح بعيد هذا .
إذا عرفت هذه الدقيقة فنقول : إنّه كما يثبت الحكم التكليفيّ بالأدلّة الأربعة من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل بكلا قسميه من الاستقلاليّ والاستلزاميّ ، فكذلك الحكم الوضعيّ أيضا يثبت بها سوى العقل المستقلّ ؛ ضرورة أنّ العقل المستقلّ ليس له مرتع في إدراك الأسباب والشروط الشرعيّة التوقيفيّة الّتي لا يعلم إلّا من قبل الشارع ؛ كيف ، والعقل في إدراك سببيّة الجنابة للغسل وأمثالها معزول غاية الانعزال ؟ !