وأيضا ، فليس المقام من قبيل ما كان الخارج من العام فردا معيّنا في الواقع غير معيّن عندنا ليكون الفرد الآخر الغير المعيّن باقيا تحت العام ، كما إذا قال : أكرم العلماء وخرج فرد واحد غير معيّن عندنا ، فيمكن هنا أيضا الحكم بالتخيير العقلي في الأفراد ، إذ لا استصحاب في الواقع حتّى يعلم بخروج فرد منه وبقاء فرد آخر ؛ لأنّ الواقع بقاء إحدى الحالتين وارتفاع الأخرى . نعم ، نظيره في الاستصحاب ما لو علمنا بوجوب العمل بأحد الاستصحابين المذكورين ووجوب طرح الآخر بأن حرم نقض أحد اليقينين بالشك ووجب نقض الآخر به . ومعلوم أنّ ما نحن فيه ليس كذلك ؛ لأنّ المعلوم إجمالا فيما نحن فيه بقاء أحد المستصحبين - لا بوصف زائد - وارتفاع الآخر ، لا اعتبار الشارع لأحد الاستصحابين وإلغاء الآخر .
فتبيّن أنّ الخارج من عموم " لا تنقض " ليس واحدا من المتعارضين ، لا معيّنا ولا مخيرا ، بل لمّا وجب نقض اليقين باليقين وجب ترتيب آثار الارتفاع على المرتفع الواقعي ، وترتيب آثار البقاء على الباقي الواقعي ، من دون ملاحظة الحالة السابقة فيهما ، فيرجع إلى قواعد أخر غير الاستصحاب ، كما لو لم يكونا مسبوقين بحالة سابقة . ولذا لا نفرّق في حكم الشبهة المحصورة بين كون الحالة السابقة في المشتبهين هي الطهارة أو النجاسة ، وبين عدم حالة سابقة معلومة ، فإنّ مقتضى القاعدة الرجوع إلى الاحتياط فيهما ، وفيما تقدّم من مسألة الماء النجس المتمّم كرّا الرجوع إلى قاعدة الطهارة ، وهكذا .
وممّا ذكرنا يظهر : أنّه لا فرق في التساقط بين أن يكون في كلّ من الطرفين أصل واحد ، وبين أن يكون في أحدهما أزيد من أصل واحد . فالترجيح بكثرة الأصول بناء على اعتبارها من باب التعبّد لا وجه له ؛ لأنّ المفروض أنّ العلم الإجمالي يوجب خروج جميع مجاري الأصول عن مدلول " لا تنقض " على ما عرفت . نعم يتّجه الترجيح بناء على اعتبار الأصول من باب الظنّ النوعي .
وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما يعمل فيه بالاستصحابين ، فهو ما كان العلم الإجمالي بارتفاع أحد المستصحبين فيه غير مؤثّر شيئا ، فمخالفته لا توجب مخالفة عمليّة لحكم شرعي ، كما لو توضّأ اشتباها بمائع مردّد بين البول والماء ، فإنّه يحكم ببقاء الحدث وطهارة الأعضاء استصحابا لهما . وليس العلم الإجمالي بزوال أحدهما مانعا من
فرائد الأصول ( مع حواشي أوثق الوسائل ) — صفحة 197
مساهمون: الميرزا موسى التبريزي
ص١٩٧