شرح
تزاحم الإمامين أو المترافعين أو المتدرّسين ممّا أجمع الأصحاب - حتّى الشهيد الثاني - على اعتبار القرعة فيه .
ثمّ إنّ ما ذكرناه من التعميم في موردها ، وكونها أعمّ من التمييز والترجيح ، إنّما هو بالنظر إلى ظاهر كلمات الأصحاب ، وإلّا أمكن أن يقال بكونها للتمييز مطلقا من دون ترجيح لغير المعيّن في الواقع ، بأن يقال : إنّ جعل الأحكام الكلّية كما أنّه لا بدّ أن يكون ناشئا من المصالح والمفاسد الكلّية الكامنة التي لاحظها الشارع ، كذلك يمكن أن يقال بكون القرعة مجعولة لتمييز المصالح الشخصيّة في الموارد الخاصّة المشتبهة التي تختلف باختلاف زمان المكلّف ومكانه وسائر أحواله ، فهي دائما لكشف ما فيه المصلحة من الطرفين ، فلا يفرّق في ذلك بين ما كان من قبيل تزاحم الإمامين واختلاط الموتى في الجهاد .
وربّما يكشف عن هذا المعنى ما رواه في الفقيه والتهذيب عن محمّد بن حكيم عن الكاظم عليه السّلام : « كلّ مجهول ففيه القرعة . قلت له : إنّ القرعة تخطئ . فقال :
كلّ ما حكم اللّه به فليس بمخطئ » لأنّ الظاهر أنّ المراد بالإصابة إصابة ما فيه المصلحة للمتقارعين في نفس الأمر ، فتكون القرعة معتبرة في مواردها مطلقا لتمييز المصلحة الشخصيّة فيها خاصّة . ولم أر من تنبّه على هذا المعنى من الرواية .
لا يقال : إنّ ما ذكرته يرجع إلى مقالة الشهيد الثاني من كون القرعة للتمييز دون الترجيح .
لأنّا نقول : إنّه لا يقول للتمييز بهذا المعنى كما هو واضح ممّا قدّمناه .
إذا عرفت هذا فاعلم : أنّ الأصحاب - كما ادّعاه بعض مشايخنا - قد أطبقوا على تقديم الاستصحاب - بل البراءة والتخيير والاحتياط - على القرعة ، فلا إشكال في الحكم . وإنّما الإشكال في وجهه ، وقد ذكروا له وجوها غير ناهضة :
أحدها : أنّ أدلّتها وإن كثرت بل ربّما بلغت الأخبار الواردة فيها حدّ التواتر ، إلّا أنّه قد تطرّق عليها الوهن لأجل كثرة المخصّصات الواردة عليها ،