شرح
واختلف الحاكمون بها في منشأ حكمهم . ومنشأ جميع ذلك هو عدم معرفة أنّ موضوع الحكم قبل الاستحالة أيّ شيء هو . وممّا قدّمناه يظهر أنّ كون الاستحالة من المطهّرات غير مسلّم فيما بينهم .
فإن قلت : إنّهم قد تسالموا على كون النار مطهّرة لما أحالته ، وليس ذلك إلّا للاستحالة ، فكيف يجتمع هذا التسالم مع ذلك الخلاف ؟
قلت : إنّ تطهير النار لما أحالته لعلّه لأجل خصوصيّة فيها ، لا لأجل مجرّد الاستحالة من حيث هي .
ثمّ إنّه يظهر من المحقّق القمّي رحمه اللّه جريان الاستصحاب مع حصول الاستحالة ، حيث حكم بالتعارض بينه وبين دليل المستحيل إليه . ولعلّه أيضا ظاهر الشّهيد ، حيث حكم بطهارة المستحال إليه بقوله صلّى اللّه عليه وآله « التراب طهور » لا بقاعدة الطهارة ، فظاهره أنّه لولا الإطلاق لكان المتّجه استصحاب النجاسة .
ويرد عليهما : منع إجداء مثل هذا الإطلاق على تقدير تسليم جريان الاستصحاب في المقام ، لأنّ هذه الإطلاقات إنّما وردت لبيان تشريع أحكام هذه الموضوعات ، فلا تشمل لبيان أحكامها بعد الاستحالة ، فيبقى الاستصحاب بعدها بلا معارض .
ويرد على المحقّق القمّي رحمه اللّه عدم اطّراد حكم التعارض في كلّ مورد ، إذ قد لا يكون لدليل المستحال إليه إطلاق كما عرفت . ولذا ترى الشهيد في الذكرى قد تمسّك في طهارة العذرة المستحالة ترابا بإطلاق قوله عليه السّلام : « التراب طهور » . واحتمل الطهارة في صورة الاستحالة ملحا ، بزوال الاسم والصورة لا بالإطلاق . وهو ظاهر في الاستناد فيها إلى قاعدة الطهارة .
والتحقيق في المقام أخذ طريقة وسطى ، لا جعل المدار على إحراز الموضوع الواقعي مطلقا ، ولا ملاحظة الأدلّة كذلك ، ولا العرف كذلك ، وهي أن يقال :
إنّ موضوع الحكم مع قيوده إن كان ثابتا بالكتاب والسنّة ، فلا بدّ من إحرازه مع