شرح
قلنا : الاستصحاب في كلّ شيء ليس إلّا بقاء الحكم الثابت له ، وهذا المعنى خاصّ بذلك الشيء ، ولا يتعدّاه إلى غيره . وعدم نقض اليقين بالشكّ وإن كان عامّا إلّا أنّه واقع في طريق الاستصحاب ، وليس نفس الاستصحاب المستدلّ به . والعبرة في العموم والخصوص بنفس الأدلّة لا بأدلّة الأدلّة ، وإلّا لزم أن لا يوجد في الأدلّة الشرعيّة دليل خاصّ أصلا ، إذ كلّ دليل فهو ينتهي إلى أدلّة عامّة هي دليل حجّيته . وليس عموم قولهم عليهم السّلام : « لا تنقض اليقين بالشكّ » بالقياس إلى أفراد الاستصحاب وجزئيّاته إلّا كعموم قوله تعالى :إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍبالقياس إلى أخبار الآحاد المرويّة ، فكما أنّ ذلك لا ينافي كون الخبر خاصّا إذا اختصّ مورده بشيء معيّن ، فكذا هذا . ولذا ترى الفقهاء يستدلّون باستصحاب النجاسة والحرمة ، في مقابل الأصول والعمومات الدالّة على طهارة الأشياء وحليّتها . وكذا باستصحاب شغل الذمّة ، في مقابلة ما دلّ على براءة الذمة من الأصل والعمومات .
وفي مسائل العصير ما يبتني على ذلك أيضا ، كمسألة الشكّ في ذهاب الثلثين ، وكون التحديد به تحقيقا لا تقريبا . وكذا مسألة خصت الإناء ، وصيرورة العصير دبسا قبل ذهاب ثلثيه ، وغير ذلك من المسائل . ولولا أنّ الاستصحاب دليل خاصّ يجب تقديمه على الأصل والعمومات لم يصحّ شيء من ذلك . وهذا من نفائس المباحث فاحتفظ به » انتهى كلامه رفع في الجنان مقامه .
واعترض عليه صاحب الفصول بعد إيراد ملخّص كلامه في مبحث العامّ والخاصّ بما لخّصه المصنّف رحمه اللّه قائلا : « التحقيق أنّ هنا مقامين : الأوّل : تخصيص العامّ ، ورفع شموله لبعض ما يتناوله بالاستصحاب . الثاني : إبقاء حكم المخصّص بعد قيام دليله في بعض ما يتناوله العامّ بالاستصحاب .
أمّا المقام الأوّل ، فلا ريب في عدم حجّية الاستصحاب فيه ، سواء كان موافقا للأصل أو مخالفا له ، لأنّ أدلّة حجّيته مقصورة على صورة عدم دلالة دليل على الخلاف وإن كان في أدنى درجة من الحجّية ، وعموم العامّ دليل ، فلا يصلح