شرح
وأمّا الثاني ، فإنّ النبوّة غير المقيّدة - أعني : النبوّة المطلقة التي جعلها فردا ثالثا للنبوّة في الجملة - إن أخذت بالإطلاق الأوّل فهي راجعة إلى المستدامة ، فليست فردا آخر من الكلّي في عرضها . وإن أخذت بالإطلاق الثاني فهي في معنى النبوّة في الجملة ، وهي ومطلق النبوّة مترادفتان .
وبالجملة ، إنّ هنا كلّيا وهو النبوّة في الجملة ، ومطلق النبوّة ، وله فردان في الواقع ، أعني : المستدامة والمقيّدة بمدّة معيّنة ، والنبوّة المطلقة ليست فردا ثالثا منه في عرضهما .
وأمّا الثالث ، فلما عرفت من أنّ المطلقة إمّا راجعة إلى المستدامة ، أو هي في معنى النبوّة في الجملة ومطلق النبوّة ، والفرض عدم جريان الاستصحاب في شيء منهما . اللّهمّ إلّا أن يفرّق بين المطلقة ومطلق النبوّة ، بقرينة ما ذكره بعد ذلك من أنّ المراد من مطلقات كلّ شريعة بحكم الاستقراء الدوام والاستمرار إلى أن يثبت الرافع ، بأنّ المطلق في حكم الاستمرار ، فالشكّ فيه شكّ في الرافع ، بخلاف مطلق النبوّة ، فإنّ استعداده غير محرز عند الشكّ ، فهو من قبيل الحيوان المردّد بين مختلفي الاستعداد . وأنت خبير بما فيه من الضعف ، كما يظهر وجهه ممّا أورد عليه ثالثا ، فتدبّر .
ثمّ ، إنّه أورد عليه في الفصول أيضا بأنّ منع حجيّة الاستصحاب في إبقاء الشريعة التي لم يعلم نسخها وارتفاعها ، كما يرشد إليه : « قوله بعد فرض تسليم . . . » ، غير سديد ، لأنّ شرائع الأنبياء السلف وإن لم تثبت على سبيل الاستمرار ، لكنّها لم تكن في الظاهر محدودة بزمن معيّن ، بل بمجيء النبيّ اللاحق . ولا ريب أنّها حينئذ تستصحب ما لم تثبت نبوّة اللاحق ، ولولا ذلك لاختلّ على الأمم السابقة نظام شرائعهم ، من حيث تجويزهم في كلّ عهد وآن ظهور نبيّ ولو في الأماكن البعيدة ونسخه لشريعتهم ، فلا يستقرّ لهم البناء على شيء من أحكامها .