شرح
فإن كان ذلك بالنسبة إلى شخص واحد فلا إشكال في تقديم الحكم الذي يستلزم ضررا أقلّ ممّا يستلزمه الحكم الآخر ، لأنّ هذا هو مقتضى نفي الحكم الضرري عن العباد ، فإنّ من لا يرضى بتضرّر عبده لا يختار له إلّا أقلّ الضررين عند عدم المناص عنهما » انتهى .
وأقول : إنّ الضررين المتوجّه أحدهما إلى العبد على وجه الدوران لا يخلوان :
إمّا أن يتساويا بحسب المرتبة والاعتقاد ، بأن كانا ماليّين أو عرضيّين أو نفسيّين ، ويكونا مظنونين أو مقطوعين . وإمّا أن يكون أحدهما راجحا بحسب المرتبة والاعتقاد ، والآخر مرجوحا كذلك . وإمّا أن يكون أحدهما راجحا بحسب المرتبة ومساويا للآخر بحسب الاعتقاد ، وإمّا بالعكس . وإمّا أن يكون لكلّ منهما جهة رجحان ، بأن كان أحدهما راجحا بحسب المرتبة ، والآخر بحسب الاعتقاد . وهذه أقسام خمسة .
أمّا الأوّل منها فلا إشكال في تخيّر المكلّف في أخذ أحدهما ودفع الآخر مع تساويهما في الكميّة . وأمّا مع اختلافهما فيها فيدخلان في صورة رجحان أحدهما .
وأمّا الثاني والثالث والرابع فيدفع الضرر الراجح فيها ، ويؤخذ بالمرجوح مع تساويهما في الكميّة . وأمّا مع اختلافهما فيها ، بمعنى كون المرجوح أكثر مقدارا من الراجح ، فهو يدخل في القسم الخامس ، أعني : صورة رجحان كلّ منهما من جهة . وليعلم أنّ هذا القسم يختلف بحسب الأشخاص ، إذ ربّ شخص يتحمّل الضرر المالي وإن كان كثيرا دون العرضي وإن كان قليلا ، والضرر العرضي المقطوع به أولى من المالي المظنون في الجملة ، فلا بدّ من ملاحظة الأشخاص ودفع الراجح بحسب حالهم .
هذا كلّه فيما كان الضرران دنيويّين . وإن كان أحدهما دنيويّا والآخر اخرويّا ، كما في الزكاة والخمس والجهاد ، فلا يخلو : إمّا أن يقوم على الأخروي دليل قطعي أو ظنّي معتبر ، فيقدّم على الدنيوي ، لأنّ الضرر الأخروي قليله أشدّ