قلت : تجويز ارتكابهما من أوّل الأمر ولو تدريجا طرح لدليل حرمة الحرام الواقعي ، والتخيير الاستمراري في مثل ذلك ممنوع ، والمسلّم منه ( 1463 ) ما إذا لم يسبق التكليف بمعيّن أو سبق التكليف بالفعل حتّى يكون المأتيّ به في كلّ دفعة بدلا عن المتروك على تقدير وجوبه ، دون العكس بأن يكون المتروك في زمان الإتيان بالآخر بدلا عن المأتيّ به على تقدير حرمته ، وسيأتي تتمّة ذلك في الشبهة الغير المحصورة .
فإن قلت : إنّ المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي فوق حدّ الاحصاء في الشرعيّات كما في الشبهة الغير المحصورة ، وكما لو قال القائل في مقام الإقرار : هذا لزيد بل لعمرو ، فإنّ الحاكم يأخذ المال لزيد وقيمته لعمرو ، مع أنّ أحدهما أخذ للمال بالباطل ،
شرح
1463 . يعني : أنّ المسلّم من التخيير الاستمراري ما إذا لم يسبق فيه تكليف بمعيّن مطلقا ، كما في صورة دوران الأمر بين الوجوب والحرمة أو سبق التكليف بالفعل ، كما إذا علم الوجوب وتردّد الواجب بين الظهر والجمعة مثلا . وأمّا إذا سبق التكليف بالترك ، مثل ما لو علم التحريم وتردّد الحرام بحسب الحكم بين أمرين ، فلا دليل على جواز التخيير الاستمراري فيه .
ولعلّ الوجه فيه أنّه إذا جاز التخيير في صورة عدم سبق التكليف بمعيّن أصلا أو سبقه بالفعل ، فإذا ارتكب محتمل الوجوب والحرمة في زمان وتركه في زمان آخر ، وكذا إذا أتى بأحد الفعلين اللذين علم وجوب أحدهما في يوم وبالآخر في يوم آخر ، فكما يحصل القطع بالمخالفة حينئذ ، كذلك يحصل القطع بالموافقة أيضا ، بخلاف التخيير الاستمراري فيما ثبت التحريم وتردّد الحرام بين أمرين ، لاستلزامه القطع بالمخالفة محضا .
وفيه نظر واضح ، لعدم تعقّل الفرق بين ما لو علم الوجوب وتردّد الواجب بين أمرين ، وبين ما لو علم التحريم وتردّد الحرام بين أمرين ، لأنّ التخيير الاستمراري في الأوّل كما يستلزم القطع بموافقة الواجب الواقعي ومخالفته باعتبار تعدّد الواقعة ، كذلك في الثاني ، ولا سترة عليه .