شرح
المستدلّين بالآية هم الاصوليّون القائلون بالملازمة بين حكم العقل والشرع ، وكان ظاهر الآية نفي التكليف مع عدم البيان النقلي مطلقا ، سواء كان هنا دليل عقلي أم لا ، احتاج المصنّف رحمه اللّه في الاستدلال بها إلى إثبات احدى مقدّمات . الأولى : أن يكون بعث الرسول كناية عن بيان التكليف مطلقا ، سواء كان بالنقل أم العقل .
الثانية : أن تبقى الآية على ظاهرها ، ويقال بكونها من قبيل المخصّص بالمخصّص المنفصل ، وهو ما دلّ على اعتبار العقل . الثالثة : أن تبقى الآية على ظاهرها من إرادة البيان النقلي من دون التزام استثناء أصلا . ويدّعى عدم منافاتها لملازمة حكم العقل لحكم الشرع بأن يقال : إنّ الملازمة بينهما إنّما هي في الحكم بحسن فعل أو قبحه ، بمعنى : أنّ العقل إذا حكم بحسنه أو قبحه فالشرع أيضا يحكم بذلك وبكون فاعله مستحقّا للعقاب ، إلّا أنّه لا ينافي عدم ترتّب العقاب الفعلي على ارتكاب فعل حكم العقل بقبحه ولم يرد النهي عنه شرعا ، كما هو مقتضى الآية .
وبالجملة ، إنّ الملازمة في الحكم بالقبح والاستحقاق لا تلازمها فعليّة ترتّب العقاب على ارتكاب هذا القبيح ، نظير حرمة الظهار المتعقّبة بالعفو بقوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ *على ما يراه الشهيد الثاني ، وحرمة نيّة السوء التي ورد في الأخبار أنّها لا تكتب . والوجه في عدم ترتّب العقاب على مخالفة ما حكم بقبحه العقل ، مع عدم ورود النهي عنه شرعا ، ما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه من كون تأكّد العقل بالشرع لطفا واجبا على اللّه تعالى .
وعلى كلّ تقدير ، فالآية لا تنافي الملازمة المذكورة . وما أورد عليه المصنّف رحمه اللّه من كون ظاهرها إخبارا عن وقوع التعذيب سابقا في الأمم الماضية والقرون الخالية بعد البعث والبيان ، فلا تشمل نفي العقاب الأخروي من دون بيان ، ضعيف جدّا ، لأنّ ظاهرها أنّها إخبار عن عدم جريان عادته وسجيّته سبحانه ولو في الأمم السابقة على التعذيب من دون بيان ، لأنّ معناها : ما كان من شأننا وسجيّتنا التعذيب حتّى نبعث ونبيّن الأحكام للعباد ، فهي بإطلاقها تشمل العقاب