شرح
هو التمسّك بالبراءة الأصليّة . وقد اقتنع في المعالم عن عنوان مسألة البراءة بمبحث الاستصحاب ، إلى غير ذلك من كلماتهم الصريحة أو الظاهرة في كون أصالة البراءة قسما من الاستصحاب .
وكيف كان ، فقد ظهر لك عدم صحّة أخذ أصالة البراءة بمعنى الاستصحاب كما توهّمه المحقّق القمي رحمه اللّه . وأمّا أخذها بمعنى الراجح - أعني : الظنّ - فهو أيضا غير صحيح ، لأنّ أصالة البراءة المبنيّة على قبح العقاب بلا بيان إن قيست إلى الواقع فهي لا تفيد الظنّ ، وإن قيست إلى الظاهر فهي تفيد القطع دون الظنّ . ومن هنا جاز العمل بها مع الظنّ غير المعتبر على خلافها .
وأمّا أخذها بمعنى الدليل فهو أيضا غير صحيح كما تقدّم في كلام صاحب الفصول . وحينئذ لا بدّ أن يؤخذ بمعنى القاعدة ، وهي حكم العقل على سبيل القطع بعدم التكليف ظاهرا عند الشكّ فيه بحسب الواقع ، لاستقلاله بقبح التكليف بلا بيان وهذه القاعدة مطّردة في جميع موارد استصحاب النفي وإن تغايرا مفهوما ، فتأمّل ، لأنّ كلمات القوم غير محرّرة في المقام .
ثمّ اعلم أنّ هاهنا أصولا أخر سوى الأصول الأربعة العمليّة ، قد تداولت بينهم ، واستعملوها في كتبهم ، مثل كون عدم الدليل دليل العدم ، والبناء على الأقلّ عند دوران الأمر بينه وبين الأكثر ، وعلى الأخفّ عند دوران الأمر بينه وبين الأثقل ، وغيرها . وهي إن رجعت إلى أحد الأربعة المذكورة فهو ، وإلّا فلا دليل عليها . نعم ، أصالة الإباحة معتبرة في نفسها ، ومغايرة للأربعة المذكورة . وقد ذكروا في التفصّي عن الإشكال الوارد على البحث عنها بعنوان مستقلّ في الكتب الاصوليّة ، بكون البحث عن أصالة البراءة مغنيا عنها من حيث كونها أعمّ منها ، وجوها كثيرة . وأرى ترك التعرّض لها وتمييز صحيحها عن سقيمها أولى ، لأنّ الاشتغال بالأهمّ فالأهمّ هو الأهمّ ، وإن كان التعرّض لها ، بل بسط الكلام في تحقيق ما هو الأحقّ بالقبول منها في مسألة أصالة الإباحة مناسبا للمقام ، وفّقنا اللّه