شرح
وأمّا الحمل على إرادة معنى الجنس ، وقد تقدّم أنّ المراد بارتكاب الحرام حينئذ إمّا هو الارتكاب الفعلي ، أو على وجه المشارفة . وعلى التقديرين : فالمراد بالحرام إمّا الحرام المعلوم الحرمة ، أو الحرام الواقعي المجهول . فأمّا على تقدير إرادة الارتكاب الفعلي مع إرادة الحرام المعلوم الحرمة ، فيرد عليه : منع استلزام ارتكاب جنس الشبهة لارتكاب الحرام المعلوم الحرمة ، مثل شرب الخمر وأكل الربا . وكذا مع إرادة الحرام الواقعي المجهول أيضا . وأمّا على تقدير إرادة الارتكاب على وجه المشارفة مع إرادة الحرام المعلوم الحرمة ، فالظاهر أنّ هذا هو المقصود من الرواية . وحاصله : بيان أنّ ارتكاب الشبهات يوجب الاجتراء على ارتكاب المحرّمات المعلومة ، ويكون المكلّف معه في شرف ارتكابها .
فإن قلت : إنّ هذا المعنى لا يناسبه قوله صلّى اللّه عليه وآله : « وهلك من حيث لا يعلم » لأنّه مع حمل الارتكاب في النبويّ على إرادة الارتكاب على وجه المشارفة لا بدّ أن يراد بالوقوع في الهلاكة أيضا وقوعه فيها كذلك ، وحينئذ يكون الوقوع فيها عن علم لا من حيث لا يعلم .
قلت : إنّ المكلّف عند ارتكاب الشبهة ربّما يعقد قلبه على الاجتناب عن المحرّمات المعلومة ، إلّا أنّ ارتكابها من حيث كونه سببا للاجتراء ربّما يؤدّي إلى الوقوع فيها فيما بعد ذلك ، وإن لم يخطر ذلك بباله أو عقد قلبه على خلافه حين الارتكاب ، فيصدق حينئذ كون الوقوع في الهلاكة عن جهل لا عن علم وقصد ، فتدبّر .
وبالجملة ، إنّ ما ذكرناه هو الظاهر من الرواية ، وتؤيّده الأخبار التي نقلها المصنّف رحمه اللّه . وحينئذ يبقى الكلام مع الأخباريّين في أنّ ارتكاب الشبهة إذا أدّى إلى ارتكاب الحرام أحيانا من جهة إيراثه الاجتراء أو قساوة القلب أو غير ذلك ، فهل يوجب ذلك حرمته أو لا ؟ وأنّى لهم بإثباته ، لأنّ غايته إثبات استحباب الاحتياط لا وجوبه ، نظير كراهة بيع الأكفان لخوف حبّ موت الناس ، وكراهة بيع الصرف