شرح
الحقيقة ، لكون انتفاء موضوعه حينئذ بحكم الشارع لا بحسب الحقيقة ، لأنّ مؤدّيات ظواهر الكتاب والسنّة لمّا كانت بمنزلة الواقع بجعل الشارع كان العلم بها بمنزلة العلم بالواقع ، فترتّب على العلم بها أحكام العلم بالواقع . فكما أنّه مع العلم بالواقع ينتفي موضوع الحكم الظاهري ، كذلك مع العلم بالحكم المستفاد من ظواهر الكتاب مثلا ، غاية الأمر كون انتفائه هنا حكما وهناك حقيقة . وحينئذ تكون الأدلّة الاجتهاديّة الظنّية حاكمة على الأصول لا واردة عليها .
وعلى تقدير كون المراد من الجهل أعمّ من الجهل بالواقع وما هو بمنزلته ، قد يعتبر وصف الواقعيّة والظاهريّة بالنسبة إلى مؤدّيات الأصول التي هي أحكام ظاهريّة ، فيقال : إنّ شرب التتن مثلا له حكم واقعي مقرّر في نفس الأمر لا يختلف بالعلم والجهل ، وله مع الجهل بالواقع حكم ظاهري ، وهو ما يستفاد من البراءة ، وله حكم ظاهري آخر مع العجز عن ترجيح أدلّة البراءة على أدلّة الاحتياط في الموارد المختلف فيها ، وهو الحظر أو الإباحة على الخلاف في الأشياء المشتملة على منفعة خالية عن أمارة مفسدة ، كشمّ الطيب وأكل الفاكهة . وعلى القول بالإباحة فيها يتّحد الحكمان الظاهريّان ، فالبراءة والاحتياط بالنسبة إلى الواقع حكمان ظاهريّان ، وبالنسبة إلى الحظر والإباحة واقعيّان . وفي جميع هذه المراتب ينتفي موضوع الحكم الظاهري حقيقة أو حكما - على ما عرفت - بالعلم بالحكم الواقعي أو ما هو بمنزلته .
وكيف كان ، فقد ظهر ممّا قدّمناه وجه ما ادّعاه المصنّف رحمه اللّه من كون تقديم الأدلّة الاجتهاديّة الظنّية على الأصول من باب الحكومة دون التخصيص . وكذلك الوجه فيما فرّق بين ما لو قلنا باعتبار الأصول من باب الشرع أو العقل ، حيث تنزّل ممّا ذكرناه أوّلا ، فسلّم كون تقديمها عليها من باب التخصيص على الأوّل دون الثاني ، لأنّ المأخوذ في موضوع البراءة والاشتغال إذا قلنا باعتبارهما من باب الشرع هو عدم العلم بالواقع ، وهو لا يرتفع بالظنّ به وإن كان معتبرا شرعا .