والجواب عن هذا الوجه : أنّ أدلّة نفي العسر - سيّما البالغ منه حدّ اختلال النظام والإضرار بأمور المعاش والمعاد - لا فرق فيها بين ما يكون بسبب يسند عرفا إلى الشارع وهو الذي أريد بقولهم عليهم السّلام : « ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر » وبين ما يكون مسندا إلى غيره . ووجوب صوم الدهر على ناذره إذا كان فيه مشقّة لا يتحمّل عادة ممنوع . وكذا أمثالها من المشي إلى بيت اللّه جلّ ذكره وإحياء الليالي وغيرهما ، مع إمكان أن يقال : بأنّ ما ألزمه المكلّف على نفسه من المشاقّ
شرح
الصوم في كلّ يوم . وحينئذ يشكل الأمر فيما يستلزم الاختلال أو الأمر بالضدّين ، إلّا أنّا نقول : لا بدّ حينئذ من التصرّف في هذه الأوامر بحملها على ما لا يوجب أحد الأمرين ، إمّا بحملها على الإرشاد إلى كون الأفعال التي تعلّقت بها هذه الأوامر حسنة في نفسها ، فيدخل هذا القسم حينئذ في القسم الأوّل الذي عرفت عدم استلزامه الأمر بما يوجب الاختلال أو الأمر بالضدين . وإمّا بحمله على الاستحباب التخييري بالنسبة إلى ما يستلزم الاختلال ، وتقييدها بما لا يستلزم ذلك .
فإن قلت : سلّمنا عدم [ استلزام ] « * » الأمر في المندوبات لأحد المحذورين ، إلّا أنّ استلزام هذه الأوامر للعسر ممّا لا مناص عنه ، كما يشهد به ملاحظة كثرة الأدعية المأثورة وسائر المندوبات .
قلت : نمنع ارتفاع العسر في المندوبات . وتوضيح ذلك : أنّه لا ريب أنّ العقل لا يقبّح التكليف بالعسير إلّا إذا بلغ حدّا يستلزم خلاف اللطف ، كقطع الأعضاء عند إصابة النجاسة أو ما دون ذلك في الجملة ، لأنّ ذلك ربّما يؤدّي إلى المخالفة والعصيان من كثير من الناس ، وهو خلاف اللطف وما ثبت من عموم رأفته . وأمّا الإجماع فلم يثبت في المقام . وأمّا الأخبار فليس مساقها إلّا كمساق الآيات .
فنقول : إنّ قوله تعالىلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَيحتمل وجوها :
أحدها : أن يكون عدم إرادته سبحانه كناية عن إرادته عدم التكليف العسير ،
هامش
( * ) سقط ما بين المعقوفين في الطبعة الحجريّة ، وإنّما أضفناه ليستقيم المعنى كما لا يخفى .