تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فرائد الأصول ( مع حواشي أوثق الوسائل ) — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
للعسر إنّما تنفي وجوده في الشريعة بحسب أصل الشرع أوّلا وبالذات ، فلا تنافي وقوعه بسبب عارض لا يسند إلى الشارع ؛ ولذا لو نذر المكلّف أمورا عسرة - كالأخذ بالاحتياط في جميع الأحكام الغير المعلومة ، وكصوم الدهر أو إحياء الليالي أو المشي إلى الحجّ والزيارات - لم يمنع تعسّرها عن انعقاد نذرها ؛ لأنّ الالتزام بها إنّما جاء من قبل المكلّف ، وكذا لو آجر نفسه لعمل شاقّ لم يمنع مشقّته من صحّة الإجارة ووجوب الوفاء بها . وحينئذ فنقول : لا ريب أنّ وجوب الاحتياط - بإتيان كلّ ما يحتمل الوجوب وترك كلّ ما يحتمل الحرمة - إنّما هو من جهة اختفاء الأحكام الشرعيّة المسبّب عن المكلّفين المقصّرين في محافظة الآثار الصادرة عن الشارع المبيّنة للأحكام والمميّزة للحلال عن الحرام ، وهذا السبب وإن لم يكن عن فعل كلّ مكلّف - لعدم مدخليّة أكثر المكلّفين في ذلك - إلّا أنّ التكليف بالعسر ليس قبيحا عقليّا حتّى يقبح أن يكلّف به من لم يكن سببا له ويختصّ عدم قبحه بمن صار التعسّر من سوء اختياره ، بل هو أمر منفيّ بالأدلّة الشرعيّة السمعيّة ، وظاهرها أنّ المنفيّ هو جعل الأحكام الشرعيّة أوّلا وبالذات على وجه يوجب العسر على المكلّف ، فلا ينافي عروض التعسّر لامتثالها من جهة تقصير المقصّرين في ضبطها وحفظها عن الاختفاء مع كون ثواب الامتثال حينئذ أكثر بمراتب . ألا ترى أنّ الاجتهاد الواجب على المكلّفين ولو كفاية من الأمور الشاقّة جدّا
شرح
الغاصب يؤخذ بأشدّ الأحوال ، بل تعدّى بعضهم حتّى حكم بوجوب الرد مطلقا ولو كان فيه تلف مال كثير وضرر بدني . وتوضيح المقام : أنّ التكليف بالعسير يتصوّر على وجوه : أحدها : أن يصدر التكليف به من قبل اللّه سبحانه ابتداء ، بأن يكلّف المريض الذي يشقّ عليه القيام بالصلاة قائما أو يأمر الصحيح بصوم الدهر . وثانيها : أن يتسبّب بعض من يندرج في النوع من آحاد المكلّفين لتكليف جميعهم بتكليف عسير وما نحن فيه من هذا القبيل ، لكون تكليفنا بالاحتياط في