شرح
الذي اشتبه حكمه - كشرب التتن ودعاء رؤية الهلال - موقوف على العلم بكون هذا الموضوع الكلّي بعنوانه الكلّي موضوعا للحكم الواقعي المحتمل ، وهو موقوف على العلم بهذا الحكم في الواقع .
وأمّا ما لم يستقلّ به العقل ، ولم يرد عليه أمر أو نهي من الشارع ، فلا دليل على اتّصافه بالحسن أو القبح ، إذ المتيقّن من حكمهم بكون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد هو ذلك . ويشهد به إجماعهم على صحّة الصلاة في الدار المغصوبة من الجاهل بالموضوع ، إذ لو لم يكن حسن الأشياء وقبحها مشروطين بالعلم بعنوان المأمور به والمنهيّ عنه ، لكان المتعيّن هو الحكم ببطلان الصلاة ، إذ كما أنّ الأمر لا يجتمع مع النهي في موضوع واحد ، كذلك حسن الفعل وقبحه . مضافا إلى أنّ المصالح والمفاسد الواقعيّين لو كانتا علّتين واقعيّتين للحسن والقبح الفعليّين المستتبعين للأمر والنهي المنجّزين ، لزم منه وجوب الاحتياط في موارد الشبهة البدويّة دفعا للضرر المحتمل ، إذ المصلحة والمفسدة تابعتان لنفس الفعل في الواقع من دون مدخليّة للعلم والجهل فيهما ، نظير المضارّ الدنيويّة ، فحيث تحتمل المفسدة يجب دفعها . ومجرّد قبح الخطاب بلا بيان لا يدفع هذا الاحتمال ، لفرض كونها تابعة لنفس الفعل لا لخطاب الشارع ، بخلاف احتمال العقاب ، لكونه مترتّبا على خطابه لا على نفس الفعل . فالقول بأصالة البراءة في الشبهات البدويّة لا يتمّ إلّا على القول بكون المصالح والمفاسد الواقعيّين من قبيل مقتضيات الحسن والقبح الفعليّين لا من عللهما التامّة ، فلا يجب دفع مثل هذه المفاسد وإن كانت مظنونة أيضا ، لفرض عدم كونها مفسدة فعليّة وإن صلحت لذلك .
فإن قلت : إنّه إذا لم يجب دفع المفسدة المظنونة ، وجاز العمل بأصالة البراءة في موردها ، لزم منه إفحام الأنبياء عليهم السّلام ، إذ مدّعي النّبوّة لو دعا الناس إلى النظر إلى معجزته لا يجب عليهم على ما ذكرت النظر إلى معجزته ، عملا بأصالة البراءة عن وجوب النظر ، إذ غاية ما يلزم من ترك النظر هو احتمال المفسدة في تركه ، والفرض عدم استقلال العقل بوجوب دفع المظنونة منها فضلا عن المشكوك فيها .