من مجموعها التبيّن . فالمقصود الحذر عن الوقوع في مخالفة الواقع ، فكلّما حصل الأمن منه جاز العمل ، فلا فرق حينئذ بين خبر الفاسق المعتضد بالشهرة إذا حصل الاطمئنان بصدقه وبين الشهرة المجرّدة إذا حصل الاطمئنان بصدق مضمونها .
والحاصل أنّ الآية تدلّ على أنّ العمل يعتبر فيه التبيّن من دون مدخليّة لوجود خبر الفاسق وعدمه ، سواء قلنا بأنّ المراد منه العلم أو الاطمئنان أو مطلق الظنّ ، حتّى أنّ من قال 39 بأنّ خبر الفاسق يكفي فيه مجرّد الظنّ بمضمونه - لحسن أو توثيق أو غيرهما من صفات الراوي - فلازمه القول بدلالة الآية على حجّية مطلق الظنّ بالحكم الشرعيّ وإن لم يكن معه خبر أصلا ، فافهم واغتنم واستقم . هذا ، ولكن لا يخفى : أنّ حمل التبيّن على تحصيل مطلق الظنّ أو الاطمئنان يوجب خروج مورد المنطوق وهو الإخبار بالارتداد .
[ 2 - آية النفر ]
ومن جملة الآيات قوله تعالى في سورة البراءة :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ ( 469 ) طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
40 دلّت على وجوب الحذر ( 470 ) عند إنذار المنذرين ، من دون اعتبار إفادة خبرهم العلم لتواتر أو قرينة ، فيثبت وجوب العمل بخبر الواحد . أمّا وجوب
شرح
469 . قال أبو البقاء النحوي في تفسير التبيان : « يجوز أن يكون « منهم » صفة لفرقة ، وأن يكون حالا من طائفة » انتهى .
470 . توضيحه : أنّ المراد بالنفر هو النفر إلى طلب العلم وتعلّم الأحكام الشرعيّة كما نصّ عليه بعض المفسّرين ، لا إلى الجهاد كما سيشير إليه . وعن ابن عبّاس الطائفة من الواحد فما فوقه . وفي الغريبين : « طائفة منهم جماعة . ويجوز أن يقال للواحد : الطائفة . والطائفة من الشيء : القطعة منه » انتهى . وتقريب الاستدلال : أنّ الآية تدلّ على وجوب الحذر عند إنذار طائفة من المنذرين من دون اعتبار إفادة خبرهم العلم بالمنذر به بتواتر أو بوجود قرينة ، والغرض من وجوب الحذر وجوب العمل بالمنذر به ، أعني : ما أخبر به المنذر ، فيثبت وجوب العمل بخبر الواحد . وأمّا وجوب الحذر فللوجهين اللذين أشار إليهما المصنّف رحمه اللّه .