ودعوى أنّ الفعل الذي يتحقّق به التجرّي وإن لم يتّصف في نفسه بحسن ولا قبح - لكونه مجهول العنوان - لكنّه لا يمتنع أن يؤثّر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه ، إلّا أن نقول بعدم مدخليّة الأمور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح والذمّ ، وهو محلّ نظر ، بل منع . وعليه يمكن ( 38 ) ابتناء منع الدليل العقلي السابق في قبح التجرّي .
مدفوعة - مضافا إلى الفرق ( 39 ) بين ما نحن فيه وبين ما تقدّم من الدليل العقلي ، كما لا يخفى على المتأمّل - بأنّ العقل مستقلّ بقبح التجرّي في المثال المذكور ، ومجرّد تحقّق ترك قتل المؤمن في ضمنه - مع الاعتراف بأنّ ترك القتل لا يتّصف بحسن ولا قبح - لا يرفع قبحه ؛ ولذا يحكم العقل بقبح الكذب وضرب اليتيم إذا انضمّ إليهما ما يصرفهما إلى المصلحة إذا جهل الفاعل بذلك .
ثمّ إنّه ذكر هذا القائل في بعض كلماته : أنّ التجري إذا صادف المعصية الواقعيّة
شرح
ذكرناه وإن كان إلى ما ذكره المصنّف رحمه اللّه من إعمال المقتضي ما لم يثبت المانع كما سنشير إليه في الحاشية الآتية ، إلّا أنّ ما ذكرناه أوقع في مقام الإلزام كما لا يخفى .
38 . يعني : على المنع .
39 . وجه الفرق أنّ ما قدّمناه سابقا من احتمال كون عدم المصادفة - الذي هو أمر لا يرجع إلى الاختيار - مانعا من استحقاق العقاب إنّما كان في قبال برهان الخصم ، حيث كان يدّعي اقتضاء ارتكاب ما اعتقده حراما لاستحقاق العقاب ، وعدم مانعيّة عدم المصادفة ، ولا ريب أنّه يكفي في نقض برهانه احتمال المانعيّة ، إذ عليه الإثبات . وأمّا فيما نحن فيه فالمفصّل يدّعي كون التجرّي مقتضيا للاستحقاق ، وأنّ حسن الفعل في الواقع مانع . وحيث منعنا من حسنه الواقعي لأجل مجهوليّة عنوان الفعل ، فعليه أن يثبت مانعيّة ما هو خارج من القدرة ، ولا يكفيه الاحتمال كما كان يكفينا فيما سبق .