شرح
والتعبّد كذلك . ولا سبيل إلى الثاني ، إذ لا شكّ أنّ اعتبارها ليس من باب التعبّد الشرعيّ ، بأن يتعبّد بأصالة عدم القرينة بحكم الشارع ، بل هو من باب إمضاء الشارع لما استقرّ عليه بناء العقلاء ، لأنّ العمل بالظواهر ثابت في سائر الأديان أيضا ، بل عند من لم يتديّن بدين أصلا أيضا . فلا بدّ أن يكون حكم الشارع باعتبارها من باب الإمضاء والتقرير لما استقرّت عليه طريقتهم . ولا ريب أنّ العقلاء لا يبنون على شيء من دون ملاحظة رجحان فيه ، وبعد ما عرفت من بطلان كون رجحان الظواهر لأجل إفادتها للظنّ الشخصي ، تعيّن أن يكون ذلك لأجل إفادتها للظنّ النوعي دون التعبّد المحض .
فإن قلت : إنّ إقدامهم على العمل بالمرجوح يلزم على تقدير اعتبارها من باب الظنّ النوعي أيضا ، إذ مقتضاه الأخذ بها ولو مع الظنّ بخلافها فضلا عن صورة الشكّ .
قلت : ليست الحال على ما وصفت ، لأنّ الظنّ النوعي قد أخذ فيه ما لم يؤخذ في التعبّد ، لأنّ الظواهر على الأوّل قد لوحظ فيها كونها مفيدة للظنّ بالطبع ما لم يمنعها مانع ، وحينئذ فغلبة مطابقتها للواقع تصلح مرجّحة للعمل بها عندهم ، وإن لم تكن مفيدة للظنّ الفعلي في بعض الأحيان ، بخلاف ما لو اعتبرت من باب التعبّد ، لكون جهة المطابقة للواقع والكشف عنه ملغاة حينئذ في العمل بها .
وممّا يشهد بكون هذا الرجحان النوعي صالحا للترجيح في عمل العقلاء اختلاف العلماء بعد تمهيد مقدّمات دليل الانسداد في كون نتيجتها اعتبار الظنون الشخصيّة أو النوعيّة ، وقد اختار الثاني جماعة ، ولو لم يكن هذا الرجحان النوعي المبنيّ على غلبة المطابقة صالحا للترجيح عند العقلاء لم يكن وجه لاعتبار العقل ذلك ، ومذهب المحقّقين في ذلك وإن كان اعتبار الظنون الشخصيّة إلّا أنّ اختلافهم فيه كاف في استشهاده بما ذكرناه .
ومثله ما ذكره المحقّق القمّي رحمه اللّه ، لأنّه بعد أن التجأ في إخراج القياس من تحت