شرح
وأمّا دعوى اشتراط مطابقة العمل بالواقع فهي كسابقتها أيضا في المنع ، لأنّ المستفاد من قوله سبحانه :قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَأنّ المناط في تحقّق التشريع الذي سمّاه اللّه تعالى افتراء مجرّد عدم وصول الإذن منه تعالى ، سواء طابق العمل بالواقع أم خالفه . ويظهر تقريب الدلالة فيه ممّا قدّمناه في بعض الحواشي السابقة . بل الظاهر المستفاد من لفظ التشريع عرفا أيضا هو مجرّد إدخال ما لم يظهر كونه من الدين فيه بعنوان كونه منه ، بحيث يزعم الجاهل بحقيقة الأمر كونه منه . ويمكن إرجاع الحدّ أيضا إلى هذا المعنى ولو بأدنى تصرّف وتوجيه ، لأنّ الدين عبارة عن أحكام مخصوصة جاء بها النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وهذه الأحكام إنّما تعدّ دينا للمكلّف بعد ثبوتها بطرق معتبرة ، لوضوح عدم كفاية وجودها الواقعي في ذلك .
وأمّا الثاني فلا إشكال في جوازه ، بل ولا في حسنه ، ولكن بشرطين :
أحدهما : عدم معارضته بالاحتياط من جهة أخرى ، كصلاة الحائض في أيّام الاستظهار ، بناء على حرمة صلاتها ذاتا لا تشريعا ، لأنّ الإتيان بها في أيّام الاستظهار برجاء وجوبها في الواقع مناف لاحتمال حرمتها الذاتيّة ، فلا إشكال في عدم حسن الفعل حينئذ . وأما حرمته فهي تابعة للواقع . نعم ، لو قلنا بحرمة التجرّي كان الفعل حراما مطلقا .
وثانيهما : عدم مخالفته لمقتضى دليل آخر ، كما مثّل له المصنّف رحمه اللّه . ولا إشكال في حرمة الفعل حينئذ لأجل مخالفة الدليل .
وأمّا الثالث فلا ريب في تحقّق موضوعه فيما لا يعتبر فيه قصد القربة كالمعاملات ، لاقتحام أكثر الناس من التجّار وغيرهم فيها ، وإنشائهم للنقل والانتقال من دون أخذ أحكامها من العارفين بها ، بل وكذلك فيما يعتبر فيه قصد القربة أيضا كالعبادات ، إذ العوام كثيرا ما يدخلون فيها ويقصدون بها القربة مع جهلهم بكثير من أحكامها وأجزائها وشرائطها ، وهو واضح لمن تتّبع طريقة