وهذا أيضا كالأوّل في عدم ثبوت الحكم الواقعيّ للظانّ بخلافه ؛ لأنّ الصفة المزاحمة بصفة أخرى لا تصير منشأ للحكم ، فلا يقال للكذب النافع : إنّه قبيح واقعا . والفرق بينه وبين الوجه الأوّل - بعد اشتراكهما في عدم ثبوت الحكم الواقعي للظانّ بخلافه - : أنّ العامل بالأمارة ( 174 ) المطابقة حكمه حكم العالم ، ولم يحدث في حقّه بسبب ظنّه حكم ، نعم كان ظنّه ( 175 ) مانعا عن المانع ( 176 ) وهو الظنّ بالخلاف .
الثالث : أن لا يكون للأمارة القائمة على الواقعة تأثير في الفعل الذي تضمّنت ( 177 ) الأمارة حكمه ولا تحدث فيه مصلحة ، إلّا أنّ العمل على طبق تلك الأمارة والالتزام به في مقام العمل على أنّه هو الواقع وترتيب الآثار الشرعيّة المترتّبة عليه واقعا يشتمل على مصلحة ، فأوجبه الشارع . ومعنى إيجاب العمل على الأمارة : وجوب تطبيق العمل عليها ، لا وجوب إيجاد عمل على طبقها ؛ إذ قد لا تتضمّن الأمارة إلزاما على المكلّف ، فإذا تضمّنت استحباب شيء أو وجوبه تخييرا أو إباحته ، وجب عليه إذا أراد الفعل أن يوقعه على وجه الاستحباب أو الإباحة ، بمعنى حرمة قصد غيرهما ، كما لو قطع بهما . وتلك المصلحة لا بدّ أن تكون ممّا يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع - لو كان الأمر بالعمل به مع التمكّن من العلم - وإلّا كان تفويتا لمصلحة الواقع ، وهو قبيح ، كما عرفت في كلام ابن قبة .
شرح
174 . يعني على الوجه الثاني .
175 . المطابق للواقع .
176 . من تحقّق الحكم الواقعي .
177 . بأن لا يكون قيام الأمارة المخالفة سببا لجعل مؤدّاها حكما واقعيّا في حقّ الجاهل بالواقع كما كان في الصورة السابقة ، فيبقى الواقع حينئذ بحاله ، ويجب العمل على طبق الأمارة . وحاصل الوجوه الثلاثة : أنّ مقتضى الأوّل جعل مؤدّى الأمارة هو الحكم الواقعي الأوّلي مطلقا ، طابق الواقع أو لا . ومقتضى الثاني جعل مؤدّاها هو الحكم الواقعي مع المخالفة خاصّة . ومقتضى الثالث بقاء الواقع بحاله مع الموافقة والمخالفة .