وما أبعد ما بين ما استند إليه الحلّي في هذا المقام وبين ما ذكره المحقّق في بعض كلماته المحكيّة ! حيث قال : « إنّ الاتّفاق على لفظ مطلق شامل لبعض أفراده الذي وقع فيه الكلام لا يقتضي الإجماع على ذلك الفرد ؛ لأنّ المذهب لا يصار إليه من إطلاق اللفظ ما لم يكن معلوما من القصد ، لأنّ الإجماع مأخوذ من قولهم : أجمع على كذا ، إذا عزم عليه ، فلا يدخل في الإجماع إلّا من علم منه القصد إليه ، كما أنّا لا نعلم مذهب عشرة من الفقهاء الذين لم ينقل مذهبهم لدلالة عموم القرآن وإن كانوا قائلين به » ، انتهى كلامه .
وهو في غاية المتانة ، لكنّك عرفت ما وقع من جماعة من المسامحة في إطلاق لفظ الإجماع ، وقد حكي في المعالم عن الشهيد : « إنّه أوّل كثيرا من الإجماعات ؛ لأجل مشاهدة المخالف في مواردها ، بإرادة الشهرة أو بعدم الظفر بالمخالف حين دعوى الإجماع ، أو بتأويل الخلاف على وجه لا ينافي الإجماع ، أو بإرادة الإجماع على الرواية وتدوينها في كتب الحديث » انتهى .
شرح
الإعالة ، فتجب فطرة من كان عيالا له ، سواء كان ولدا أو امّا أو أبا أو زوجة مطيعة أو ناشزة ما دامت في بيت زوجها أو غيرها من الأجانب ، أو هو وجوب الإنفاق فلا تجب فطرة الزوجة الناشزة على الزوج لعدم وجوب نفقتها عليه .
فالحاصل أنّه لا يجوز الاعتماد على مثل هذا الإجماع المستند إلى الحدس والاجتهاد ( وما أبعد ما بين ما استند إليه الحلّي في هذا المقام وبين ما ذكره المحقّق . . . إلى آخره ) والأعجب من بعد المشرقين هو ما استند إليه الحلّي في المقام من نسبته الحكم ، بوجوب فطرة الزوجة على الزوج ، إلى اتفاق العلماء بمجرد تدوينهم الأخبار المطلقة الدالة على وجوب فطرة الزوجة على الزوج ، تخيّلا بأخذهم إطلاقها .
وما ذكره المحقّق من أنّ الاتفاق على لفظ مطلق لا يقتضي الإجماع على ذلك ! وأنّ مجرّد ذكر المفتي لفظا مطلقا لا يدل على أخذه بالإطلاق ، ما لم يعلم أنّه قصد الإطلاق ، فإذا رأينا العلماء ذكروا الأخبار المطلقة الدالة على وجوب فطرة الزوجة على الزوج ، لا يصحّ لنا نسبة الحكم المستفاد من الإطلاق إليهم ، فنقول : إنهم أجمعوا على وجوب فطرة الزوجة وإن كانت ناشزة على الزوج ، ما لم نعلم قصد ذلك منهم .
فما ذكره المحقّق قدّس سرّه يكون نقيضا لما تقدّم من الحلّي ، فإنّه حكم باتفاقهم على وجوب فطرة الزوجة الناشزة على الزوج ؛ لاتفاقهم على تدوين المطلق الدال بإطلاقه على الحكم