الثاني : أنه ليس في الواقع حكم مع قطع النظر عن قيام الأمارة كالأول إلّا أنّه يوجد هناك ما يقتضي ثبوت حكم معيّن لو لم يمنعه مانع ، فإن طابقه ظنّ المجتهد يصير ذلك حكما فعليا له ، ولو ظنّ غيره يكون ذلك مانعا عن تأثير المقتضي وسببا لكون ذلك الغير حكمه ، وهذا المعنى هو الذي يدّعي صاحب الفصول ( رحمه اللّه ) أنّه قريب إلى القول بالتخطئة بل عينه ، وسيأتي ما فيه إن شاء اللّه تعالى .
وعلى التقديرين إما أن يقال بأنّ اللّه تعالى كان عالما في الأزل بما يؤدي إليه نظر كل مجتهد في وقته ، فجعل كل واحد من الآراء حكما لمن ظنّه ولمقلّديه من أول الأمر كما قيل بنظيره في أطراف الواجب المخيّر ، أو يقال بأنّ اللّه جعل في الأزل أحكاما موافقا لآراء المجتهدين فيؤدي نظر المجتهدين إليها قهرا عليهم على وجه أو اتفاقا على وجه آخر ، أو يقال إنّ رأي المجتهد محدث للحكم يعني أنّ اللّه يجعل رأي المجتهد بعد حصوله حكما له ولمقلّديه ، وهذا المعنى أوفق بظواهر كلماتهم كما لا يخفى ، فعلى الوجهين الأولين رأي المجتهد كاشف عن الحكم وعلى الأخير محدث له .
ثم اعلم أنّه لا بدّ للمصوّبة أن يقولوا بوجود شيء يبذل المجتهد وسعه في تحصيله وإن لم يكن ذلك حكما له حينئذ ، بأن يكون ذلك الشيء حكما للنبي ( صلى اللّه عليه وآله ) مثلا ، أو يكون ما أخبر به جبرئيل النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) وما أشبه ذلك من المناسبات القياسية أو المصالح المرسلة أو الاستحسانات ، وإلّا فلا يعقل قيام الأمارة كخبر أو آية مثلا ، إذ لا بدّ للأمارة من ذي الأمارة ، ولا بدّ للطريق من ذي الطريق ، ولا بدّ للآية أو الخبر من مدلول يحصل للمجتهد الظن به فيصير ذلك حكما له ، ومن البعيد في الغاية أنّ المصوّبة ينكرون هذا المعنى أيضا ويقولون بذلك الأمر غير المعقول الواضح مع أنهم من
حاشية فرائد الأصول — صفحة 267
مساهمون: السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
ص٢٦٧