تضمنت الأمارة حكمه ، ولا تحدث فيه مصلحة ، إلا أن العمل على طبق تلك الأمارة والالتزام به في مقام العمل على أنه هو الواقع وترتيب الآثار الشرعية المترتبة عليه واقعا ، يشتمل على مصلحة ، فأوجبه الشارع .
وتلك المصلحة لا بد أن تكون مما يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع ، وإلا كان تفويتا لمصلحة الواقع ، وهو قبيح 1 ، كما عرفت في كلام ابن قبة 2 .
فإن قلت : ما الفرق بين هذا الوجه الذي مرجعه إلى المصلحة في العمل على الأمارة وترتيب أحكام الواقع على مؤداها ، وبين الوجه السابق الراجع إلى كون قيام الأمارة سببا لجعل مؤداها هو الحكم الواقعي على المكلف ؟ مثلا : إذا فرضنا قيام الأمارة على وجوب صلاة الجمعة مع كون الواجب في الواقع هي الظهر ، فإن كان في فعل الجمعة مصلحة يتدارك بها ما يفوت بترك صلاة الظهر ، فصلاة الظهر في حق هذا الشخص خالية عن المصلحة الملزمة ، فلا صفة تقتضي وجوبها الواقعي ، فهنا وجوب واحد واقعا وظاهرا متعلق بصلاة الجمعة . وإن لم يكن في فعل الجمعة صفة كان الأمر بالعمل بتلك الأمارة قبيحا ، لكونه مفوتا للواجب مع التمكن من
شرح
( 1 ) يكفي في رفع القبح مزاحمة مصلحة الواقع بمصلحة جعل الطريق وسلوكه ، بلا حاجة إلى تدارك مصلحة الواقع الفائتة . وسيأتي في آخر كلام المصنف قدّس سرّه الإشارة إلى ذلك . ولأجله يمكن حمل التدارك في كلامه هنا على مجرد المزاحمة ، لا تعويض المصلحة ورفع أثر فوتها ، كما هو ظاهره .
( 2 ) عرفت أن الظاهر نظر ابن قبة إلى أمر آخر ، وهو اجتماع الحكمين المتضادين .