شرح
الثاني : أنّ كلمة التعارض لا تقع صفة للوجوب والحرمة - مثلا - فلا يصحّ أن يقال : إنّ الوجوب والحرمة متعارضان ، بل يقال : إنّهما متنافيان ؛ إذ لا يصحّ أن يقال إنّ كلّا من الحكمين يظهر نفسه على الآخر ؛ لأنّه لا ثبوت في الواقع إلّا لأحدهما ، ويصحّ ذلك بالنسبة إلى الدالّين ، فإنّ كلّ واحد منهما يظهر نفسه في مقام الحكاية عن الواقع على الآخر ، ولا منافاة بين أن يكون إسناد التنافي إلى الدالّين بالمسامحة وإسناد التعارض إليهما حقيقة ، ولذا كان تعريف التعارض بالتنافي لا يخلو عن تسامح .
وأمّا خروج موارد الجمع العرفي عن مورد التعارض حتّى على مسلك شيخنا الأعظم قدّس سرّه ، فأقول في توضيح ذلك وتحقيقه مستعينا باللّه :
إنّ موارد الجمع العرفي من الورود والتخصّص والحكومة والتخصيص خارجة عن التعارض ، سواء قلنا إنّه تنافى مدلولي الدليلين أو نفس الدليلين ، أمّا التخصّص فخروجه أوضح من غيره ؛ إذ هو عبارة عن خروج موضوع أحد الدليلين عن موضوع الآخر بالوجدان ، كما إذا دلّ دليل على حرمة الخمر - مثلا - ودلّ دليل آخر على حلّية الماء ، فلا منافاة بين الدليلين ؛ إذ الماء خارج عن موضوع دليل حرمة الخمر بالوجدان ، أو كما إذا دلّ دليل على حرمة إكرام زيد الجاهل ودلّ دليل آخر على وجوب إكرام العلماء ، فإنّ زيدا الجاهل خارج عن موضوع دليل وجوب إكرام العلماء بالوجدان .
وأمّا الورود فهو أيضا خارج عن التعارض ؛ إذ هو أيضا عبارة عن رفع أحد الدليلين موضوع الدليل الآخر ، غاية الأمر أنّ هذا الرفع إنّما ثبت بالتعبّد الشرعي الثابت بالوجدان ، فإنّ نفس التعبّد بالخبر وفرضه علما قد حصل لنا بالوجدان ، وإن كان المتعبّد به ثبت بالتعبّد ، وذلك كما في موارد قيام الدليل