شرح
وتوضيح العبارة كما في حاشية المحقّق الهمداني ، أنّه قد يرى المولى أنّه لو أهمل عبده ، ولم يكلّفه بتكاليف ربّما يتمرّد ويحصل له ملكة المعصية ، فيأمره بأوامر ، ولا داعي له في ذلك إلّا ليطيعه فيما يصدر منه من الأوامر ، ولا يعصيه في شيء منها ، سواء كانت توصّلية أم تعبّدية ، فتكون أوامره الصادرة منه بهذا الداعي لطفا في الواجب العقلي الذي هو وجوب الإطاعة على وجه الإخلاص ، فتكون الإطاعة على وجه الإخلاص غاية لهذه الأوامر ، ومرادة بها ، ولكن لا على سبيل الشرطية في صحّة متعلّقاتها ، والآية الشريفة على تقدير الإغماض عن الإشكال الأوّل ، وعلى تقدير تسليم دلالتها على إرادة العبادة بمعنى الإطاعة لا تدلّ على أزيد من ذلك ، فإنّها تدلّ على أنّ الغاية من جعل الأحكام عليهم تحقّق الإطاعة منهم مخلصين .
وبعبارة واضحة كما في كلمات الآشتياني : أنّ المستفاد من الآية أنّ أهل الكتاب ما أمروا في الشريعة السابقة بشيء من الأشياء إلّا لغاية عبادة اللّه على وجه الإخلاص ، بمعنى أنّ الغاية في نظر الشارع في أمرهم بها هو ترتّب عبادة اللّه على وجه الإخلاص على إتيانهم بها ، لما فيها من المصالح المقتضية لتكميل نفوسهم الموجبة لذلك ، وهذا المعنى كما ترى لا دخل له بوجوب قصد القربة عليهم في كلّ واجب ، بل لا ينافي كون جميع الواجبات في شريعتهم توصّليا لا يشترط فيه قصد التقرّب أصلا ؛ إذ حاصل المعنى المذكور يرجع إلى أنّ الفائدة في نظر الشارع في أمر الأمم السابقة بالواجبات هي سببيّة فعلها للقرب إلى الواجب العقلي ، وهي عبادة اللّه بقصد التقرّب ، وهذا معنى ما تقرّر عند العدلية من أنّ الواجبات السمعيّة بأسرها ألطاف إلى الواجبات العقلية من حيث أنّ فعلها من جهة ما يترتّب عليها يوجب القرب إلى فعل المحسّنات العقلية ، وترك المقبحات العقلية .