لهواك ، وإن قرأ الإمام سورة طويلة في الصلاة تجن . فتألم قلبه في الحال ، وتاب 248 وانشغل بالعبادة إلى حد أن أمه دخلت عليه البستان ذات يوم ، فرأته نائما في ظل شجرة ورد ، وقد أمسكت حية بغصن من النرجس في فمها ، تذب به الذباب عنه .
وفي ذلك الوقت رحل عن مرو ، وظل مدة في بغداد في صحبة المشايخ .
ثم ذهب إلى مكة ، وبعد أن جاورها مدة ، عاد إلى مرو ، فتولاه أهلها ، وأعدوا له دروسا ومجالس ، وفي ذلك الوقت ، كان نصف أهل مرو يتبع الحديث ، والنصف الآخر يهتم بعلم الفقه ، كما هو الحال اليوم ويسمونه « رضى الفريقين » ، بحكم أنه موافقا لكل منهما ، وكان الفريقان كلاهما يختصمان إليه ، فأعد رباطين في ذلك المكان : أحدهما لأهل الحديث ، والآخر لأهل الفقه 249 .
ثم مضى إلى الحجاز وجاورها .
يروى : أن عبد اللّه بن المبارك كان يحج عاما ، يغزو عاما ، ويتاجر عاما وكان يفرق مكسبه على أصحابه ، وكان يعطى الدراويش التمر ، ويعد النوى ، ومن كان يأكل أكثر ، كان يمنحه درهما مقابل كل نواة .
يروى : أن عبد اللّه بن المبارك رافق خسيسا ذات مرة ، ولما انفصل عنه ، بكى عبد اللّه ، قالوا : لما ذا تبكى ؟ قال : مضى ذلك المسكين ، ومضت معه كذلك تلك الطوية السيئة ، وانفصل عنا ، ولم ننفصل عنه .
يروى : أنه كان يمضى في البادية ذات مرة ، وكان قد ركب ناقة ، فوصل إلى فقير ، وقال : أيها الفقير ، أنا غنى ، وقد دعيت ، فإلى أين تذهب أنت أيها الطفيلى قال الفقير : طالما كان المضيف كريما ، فإنه يفضل الطفيلى ، وإن كان قد دعاك إلى بيته فقد دعاني إليه أيضا بنفسه ، قال عبد اللّه : إنه طلب منا نحن
تذكرة الأولياء — صفحة 408
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٠٨