الثالث : ما يظهر من بعض الأخبار من أن المناط في الترجيح كون أحد الخبرين أقرب مطابقة للواقع سواء كان المرجح داخلي كالأعدلية مثلا ، أو لمرجح خارجي كمطابقته لأمارة توجب كون مضمونه أقرب إلى الواقع من مضمون الآخر .
مثل ما دلّ على الترجيح بالأصدقية ( 1 ) في الحديث كما في مقبولة ابن حنظلة فإنا نعلم أن وجه الترجيح بهذه الصفة ليس إلا كون الخبر الموصوف بها أقرب إلى الواقع من الخبر غير الموصوف بها لا لمجرد كون راوي أحدهما أصدق وليس هذه الصفة مثل الأعدلية وشبهها في احتمال كون العبرة بالظن الحاصل من جهتها بالخصوص .
شرح
( 1 ) لمّا كان الصّدق غير قابل للتّفصيل فلا بدّ أن يكون المراد من الأصدقيّة في الحديث هي الأقربيّة إلى الواقع ، وبعد إلقاء خصوصيّة الأقربيّة الحاصلة من صدق الرّاوي وكثرة مطابقة خبره للواقع يدلّ على لزوم التّرجيح بكلّ ما يوجب الأقربيّة إلى الواقع من غير فرق بين المرجّح الدّاخلي والخارجي ، هذا ولكن قد يناقش فيما أفاده بأنّ ملكة الصّدق في الرّاوي كملكة العدالة يمكن أن يكون لها جهة موضوعيّة وإن كانت لها جهة طريقيّة دائما فإذا حكم الشّارع بلزوم العمل بخبر الصّادق ، فلا يكون المراد منه إلّا من كان له ملكة الصّدق لا من طابق خبره الواقع ، فإنّه غير قابل لتعلّق الجعل الشّرعي به ولا من كان يظنّ مطابقة خبره للواقع حتّى يدلّ على حجيّة الخبر المظنون مطابقته للواقع مطلقا ، فإذا كان الصّدق من الملكات ، فيمكن اعتبار القرب الحاصل منه كما يمكن اعتبار شدّته في التّرجيح فيكون حالها حال الأعدليّة فتأمّل .
وأشكل منه ما أفاده في التّرجيح بالأوثقيّة للتّسرية بالنّسبة إلى المرجّحات الخارجيّة ، وإلّا لدل ما دلّ على حجيّة خبر الثّقة على حجيّة كلّ ما يفيد مقدار