تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط بيروت ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
. . . . . . . .
شرح
بملاحظة قوله تبارك وتعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، أي ليعرفون كما هو مقتضى التّفسير والحديث القدسي كنت كنزا مخفيّا ، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف ، فلو كان بعض المكلّفين قاصرا وعاجزا عن المعرفة لزم كون خلقته عبثا ولغوا . ثالثها : قوله تعالى :فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، ومثله قوله عليه السلام : « كلّ مولود يولد على الفطرة إلّا أنّ أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه » ، فإنّ مقتضاهما كون معرفة اللّه عزّ وجل وأوليائه من الودائع الرّبانيّة والإلهامات الإلهيّة في النّفوس البشريّة ، لا تزول عنها إلّا بصارف قويّ ، فإذا فرض كون المعرفة مكنونة في النّفوس بحسب التّكوين الإلهي فكيف يفرض العجز عنها . هذا والجواب عن الأوّل ظاهر إذا المفروض كون العاجز عاجزا عن المجاهدة بل ربما يكون غافلا صرفا فكيف يتصوّر في حقّه المجاهدة والهداية في الآية مترتّبة على المجاهدة ، وأمّا عن الثّاني فبأنّ المراد بيان الغرض من خلق نوعي الجنّ والبشر وأنّه لتكميل النّفوس بمعرفة باريهم وخالقهم ، حتّى يترتّب عليها التّشبّه به بكسب الأخلاق الحميدة والأعمال المحمودة ، ولا ينافي ذلك عجز بعض الأشخاص ، وإلّا لزم عدم وجود المجنون في العالم ، أو عدم موت أحد في صغره للزوم العبث في الخلق كما توهّم ومنه يظهر المراد من الحديث الشّريف أيضا ، فإنّ ترتب المعرفة على الخلق المتعلّق لإرادة اللّه عزّ وجلّ لا يلازم عدم وجود العاجز ، وأمّا عن الثّالث فبأنّ المراد من الآية والرّواية كون آيات المعرفة موجودة في الأنفس ، كما أنّها موجودة في الآفاق ولا ينافي ذلك عروض الحجاب عن النّظر إليها والتّأمّل فيها بقصر قاصر ولو بالاكتساب القهري عن الآباء والأمّهات فافهم . والإنصاف وجود العاجز كما نشاهد بالوجدان مضافا إلى ما ورد في حقّ