تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
الورود ، أو يحدد موضوع حكمه بما عدا مورد الدليل على سبيل الحكومة فكيف يصطدمان ويتعارضان ؟ .

نعم الجمع أولى من الطرح

كثيرا ما تدور على الألسن هذه الجملة : « مهما أمكن الجمع فهو أولى من الطرح » . ومعناها - كما يبدو - انك إذا رأيت نصين متعارضين بظاهرهما فاجمع بينهما بما ينفي التعارض ما أمكن . . ومعنى هذا بعمومه سد باب التعارض والتعادل والتراجيح وإلغاء ما ورد في ذلك من أخبار وطرحها من الأساس . ومن هنا قال جماعة من العلماء : ليست هذه الكلمة بآية أو رواية ، ولا تستند إلى كتاب أو سنة ، ولا إلى إجماع أو عقل ، ولو أخذنا بها على وجه العموم لم تدع الحاجة إلى الأخبار المتواترة المتضافرة على الترجيح بين الخبرين المتعارضين مع وجود المرجح ، والتخيير مع عدمه ، ولا مبرر لوجودها ووجود باب التعادل والتراجيح على الإطلاق حتى من الوجهة النظرية ما دام العلاج هو الجمع لا الترجيح أو التخيير ! . « مضافا إلى أن علماء الإسلام من زمان الصحابة إلى يومنا هذا لم يزالوا يستعملون المرجحات في الأخبار المتعارضة في ظواهرها ، ويختارون أحدها ، ويطرحون الآخر بلا جمع وتأويل » . كما قال الأنصاري . هذا تلخيص لما دار حول هذه الكلمة الشائعة الذائعة من جدال ونقاش . وفي رأينا أنها قاعدة صحيحة وسليمة من كل شبهة ، وانها من وحي أسلوب القرآن والسنة النبوية واستعمال الأدباء والعرف وأهله ، شريطة أن لا نعلم إجمالا بكذب أحد الخبرين أو الجملتين فرارا من المخالفة القطعية للواقع ، وأن نفسر الامكان بالامكان الوقوعي العرفي لا بالامكان الذاتي العقلي ، ونفسر الجمع بالجمع الفني القائم على أساس العرف وفهمه لا بالجمع التبرعي والاعتباطي ، ويكون معنى القاعدة بجملتها كالآتي : إذا رأيت دليلين من الكتاب أو السنة ، وبدا لك للوهلة الأولى ان بينهما تدافعا وتمانعا - فلا تتعجل وتبادر إلى الحكم بأنهما مجملان فتطرحهما وترجع إلى الأصول العملية ، ولا إلى الحكم بأنهما متعارضان فتذهب إلى التعادل والتراجيح ، بل عليك أن تتمهل وتتأمل : هل أحدهما مخصّص أو مقيد للآخر بحيث يكون المعنى المراد
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 434 | محمد جواد مغنية