تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
إشكال آخر ، وهو أن العمل بالظن أكثر خطأ من العمل بالعلم ، وأكثر حرمانا من مصلحة الواقع ، وبديهي ان الضرورة تقدر بقدرها ، وعليه يجب العمل بالعلم وحده دون الظن حتى ولو نشأ من خبر الثقة ، وأجابوا عن هذا الاشكال بأن في الامارة أو في السلوك بموجبها مصلحة تعوّض وتجبر مصلحة الواقع الفائتة ! . ولا أدري على أي شيء استند القائل بهذه المصلحة الجابرة ولا دليل عليها من آية أو رواية ؟ . وهناك اشكالات وشبهات تقذف هي وأجوبتها بالطالب في متاه بني إسرائيل .

التصويب :

معنى التصويب - على وجه العموم - انه لا حكم للّه اطلاقا في أية حادثة من الحوادث قبل اجتهاد المجتهدين ، وإنما ينتظر ، جلّت حكمته ، حتى يحكم المجتهد بما أدى اليه نظره ، وعندئذ ينشئ تعالى علوا كبيرا حكما موافقا لحكم المجتهد بحيث يكون حكم الجلالة تابعا لحكم من ليس له من الأمر شيء . وهناك معنى آخر للتصويب ، وهو ان للّه حكما في كل حادثة ، ولكن هذا الحكم يصاب بالنص الشرعي وبغيره أيضا ، كالاستحسان والقياس وما إلى ذلك مما لا دليل عليه من شرع ولا عقل . ومعنى التخطئة ان للّه في كل واقعة حكما واحدا معينا في أصل الشريعة ، وقبل الاجتهاد وبعده وإلى يوم يبعثون ، وان المجتهد يخطئ ويصيب ، وأجمع مثال وأوضحه هذه الكلمة العاقلة العالمة : « أقول في المسألة برأيي ، فإن كان صوابا فمن اللّه ورسوله ، وان كان خطأ فمني ومن الشيطان » . وذهب الامامية وأكثر الشافعية إلى نفي التصويب وبطلانه ، وفي كتاب اللمع لأبي إسحاق ص 71 طبعة 1939 « الظاهر من مذهب مالك وأبي حنيفة القول بأن كل مجتهد مصيب ، وهو مذهب المعتزلة وأبي الحسن الأشعري » . وهذا القول يحمل معه الأدلة القاطعة على فساده وضلاله ، ومع هذا نشير فيما يلي إلى بعض ما يستلزمه القول بالتصويب من المفاسد والمخاطر . اللازم الأول أن يكون ظن المجتهد تماما كالوحي من اللّه ينزل على أنبيائه ورسله ، لأن المفروض عدم الخطأ في الحكم .
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 219 | محمد جواد مغنية